إطلالة تاريخية من خلال كتاب الدلائل والحجج على منتصف القرن الخامس الهجري
أضواء


المرجع : مجلة حضرموت الثقافية .. العدد 6 .. ص 18
رابط العدد 6 : اضغط هنا
أكرم مبارك عصبان * [1]

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وبعد :
فما إن ظفرْتُ بكتاب الدلائل والحجج للفقيه أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله الحضرمي من أئمة الإباضية بحضرموت، منتصف القرن الخامس الهجري حتى أنشأت سفرًا في فصوله وأبوابه متوخِّيًا الغنيمة ومبتغيًا الفوائد الجسيمة، وهي ذات ثلاث شعب: بحث في المفارقة والموافقة الفقهية بين فروع الشافعية والإباضية، ثم أشفعه بالتأمّل والنظر في ما اعتمدوا عليه من الدلائل والأخبار الحديثية، وأعززه بثالث في تتبّع الشوارد التاريخية، فإذا الصيد الوفير الذي أدركته في الملامح التاريخية قد شغلني عن غيره، وألهاني منظرُه عن البحث الفقهي والحديثي، فطفقْتُ أتتبَّع شوارده وضوالّه، التي تختفي في ثنايا هذا الكتاب وشعابه، حتى إذا أثبته بسهام البحث صغته في هذا الموضوع المتضمّن خمسة مباحث :
أوّلًا : كشف مجاهل التاريخ بحضرموت
كنّا نظنُّ أن أخبار الإباضية بحضرموت في القرن الثالث الهجري وتالييه ـ الرابع والخامس ـ نادرة وقليلة كباقي الوشم في ظاهر اليد، وذلك بعدما حكم جماعة من المؤرخين بالجهالة عليها، وكأنها محجوبة في ظلمة كهفٍ انسدَّتْ على بابه صخرة عظيمة لا سبيل إلى الوصول إليها، وما إن ظهر كتاب السيف النقاد ومختصر الخصال ـ كلاهما للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي ـ حتى انفرجت الصخرة قليلًا واطّلعْنا على بعض الأخبار، ثم ظهرت المراسلات والسير والجوابات، كسيرة محبوب بن الرحيل، وسيرة أبي الحواري، وسيرة أحمد بن سليمان، فانجلتْ جوانب أخرى ولاسيّما السيف النقّاد، الذي بلغتْ قصائدُه ستين قصيدة، حوَتْ نحو ثلاثة آلاف بيتٍ من الشعر، تضمّنتْ تاريخًا حافلًا، ولكنّ المتأمل يرى أنّ أبا إسحاق الحضرمي لم يلتفتْ فيها إلى دور العلويين في تلك الحقبة، وكذلك ظلّت الوثائق الأخرى صامتة عن ذلك من غير أن تلوي على مصدر من تلك الحقبة يشهد بذلك، فقد ذكروا لِمَنْ عاصر أبا إسحاق الحضرمي ـ وهو محمد بن علوي بن عبيد الله بن أحمد بن عيسى وأبيه وجده ثم لأحمد بن عيسى ـ ألقابًا وخلعوا عليهم صفاتٍ في العلم تنتهي إلى القضاء على الإباضية ونشر مذهب الشافعية [2].
وفي الجانب الآخر شكّك بعضُهم في بقاء الإباضية قائمة على أصولها حتى نهاية القرن الخامس، وأنّ أخبارَها من أساطير الأولين، وانتهى القول بالمؤرخ علوي بن طاهر الحداد بما نصُّه ( أكاد أجزم بأنه لا حقيقة له، وأن حكايته مفتعلة كحكايات السينما وألف ليلة وليلة، وأشعاره قد نظمها شعراء الإباضية بزنجبار وعمان )، وأيّده في مذهبه هذا المؤرخ صالح بن علي الحامد [3].
إنّ تجاهُـلَ أبي إسحاق الحضرمي كما في السيف النقّاد لدور العلويين آنذاك ـ وقد فاض في ذكر مؤيِّديه ومعارضيه ـ يضعُ عددًا من التساؤلات: فهل كانوا بحضرموت في معزل بأطرافها، متهيِّبين سكنى حواضرها؟ أم أنهم لم يكن لهم وزنٌ يستحقُّ أن يذكرهم ولو في مصافِّ مناوئيه؟
إنَّ البحثَ هو الكفيل بالإجابة عن ذلك وعن غيره من أطوار التاريخ بحضرموت بفصلٍ مُحكَمٍ يشفي العليل، ويروي الغليل، وما ذلك ـ إن شاء الله ـ ببعيد .
ثانيًا : ذكر فقهاء الإباضية بحضرموت
في هذا المبحث سنتناول جماعة من فقهاء المذهب الإباضي وقضاته وأئمته الحضارمة، الذين كشف اللثام عنهم كتاب الدلائل في منتصف القرن الخامس للهجرة، وجُلُّهم من أسرة واحدة، نقف عند ستة منهم على النحو الآتي:
1 ـ الفقيه إبراهيم بن عبد الله الحضرمي
هومؤلف كتاب الحجج والدلائل أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن سليمان بن قيس الحضرمي، نشأ بحضرموت، وأخذ عن فقهائها لاسيما أهل بيته، الذين عرفوا بالعلم والإمامة، فكان أحقَّ بقول القائل :
فإن الماء ماء أبي وجدي وبئري ذو حفرت وذو طويت
فجدُّه الشيخ إبراهيم بن محمد كان فقيهًا، وعمه محمد بن إبراهيم كذلك، وقد لازم القاضي أبا عبد الله محمد بن إبراهيم بن قيس الحضرمي بأخذه عن أبيه وجده، ويلتقي نسب هؤلاء الستة جميعًا في جدِّهم سليمان بن قيس.
تولّى الإمامة بحضرموت، كما يفيد قوله: ( ولولا ما أرجوه من الاشتغال بالقيام لزدت فيه ما اتفق من الأحكام )، والمراد بالقيام الإمامة، وقد زار عمان سنة 452 هـ متتبعا آثار الإباضية، وجالس الفقهاء والأئمة ممن نفصّل الحديث فيهم، فهو قطب الرحى الذي يدور عليه البحث مفصلًا .
والمتأمِّل لديوان السيف النقاد يجد ذكرًا له في ضمن الوفد الذي ما فتئ الإمام أبو إسحاق الهمداني الحضرمي يبعثه إلى أئمة عمان الكرة تلو الكرة من ذلك قوله :
يا معبد بل يا ابن عبد الله بل يا با أخانا يا ابن إبراهام

2 ـ قاضي القضاة محمد بن إبراهيم الحضرمي
هو أبو عبد الله محمد ابن الإمام إبراهيم ابن الفقيه قيس بن سليمان الحضرمي، أخذ عنه مؤلف الدلائل والحجج العلمَ، وعرض عليه كتاب الدلائل، وذكر اختياراته الفقهية، وما يميل إليه من الأقوال في ثمانين موضعًا كما ذكر سماعه منه، تفقه القاضي أبو عبد الله بأبيه وجدِّه، كما أخذ عن الفقيه محمد بن إبراهيم بن محمد وابنه الفقيه إبراهيم بن محمد وسيأتي ذلك عند ذكرهم [4].
وممّا يدل على فقهه مسألة التفريق بين الإهاب والأديم في مسألة استعمال جلد الميتة بعد الدباغ فقال القاضي :
قد كان نعلك قبل اليوم من إهاب فصرت تخطر في نعل من الأدم [5]
وللقاضي أبي عبد الله ـ ويكنى أبا قيس ـ ذكر في ديوان أبيه السيف النقاد، وقد مات قبل أبيه، فرثاه في قصيدة وسح عليه الدموع منها :
قاضي القضاة سميّ المصطفى أفلت عنا محاســــــنه في باطن الجدد
فالدمع منسكب والصـــــــدر مكتئب والظهر منقضب إذ زال معتمدي
لهفي عليك أبا قيس وليــــــــس أرى لهفي عليك بمنــــــفك مدى الأبد
3 ـ الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الحضرمي
هو جدُّ مؤلِّف الدلائل، أخذ عن قيس بن سليمان، وتفقّه به القاضي أبو عبد الله؛ حيث يقول في مسألة في باب الحيض: ( قد حفظت عن جدي قيس وعمي إبراهيم بن محمد رحمة الله عليهما..) [6].
وأخذ عنه حفيده مؤلِّف الدلائل كما يدلُّ على ذلك قوله : ( وقد سمعت الشيخ إبراهيم بن محمد ـ رحمه الله ـ يذكر استصحاب النية عند تكبيرة الإحرام، فلا أدري ذكره عن بعض علمائنا المتقدِّمين ـ رحمهم الله ـ أم كان ذلك يعجبه ) [7].
وللشيخ إبراهيم بن محمد آثار وكتاب كما ذكره في الدلائل كقوله: وفي كتاب الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد رحمه الله …. وفي الأثر عن الشيخ إبراهيم بن محمد [8].
4 ـ الفقيه محمد بن إبراهيم بن محمد الحضرمي
هو عم مؤلف الدلائل كان فقيها أخذ عن والده وعن الفقيه قيس بن سليمان، استفاد منه القاضي أبو عبد الله حيث يقول: (إنه يحفظ عن محمد بن إبراهيم بن محمد عن الشيخ قيس بن سليمان رحمه الله أن الإنسان ما دام لم يجاوز الفرسخين فهو مخير إن شاء أتم وإن شاء قصر إذا كان على نية السفر ) [9].
5 ـ الإمام إبراهيم بن قيس الحضرمي
الإمام أبو قيس إبراهيم بن قيس الهمداني الحضرمي، صاحب مختصر الخصال، والأشعار التي تضمنها السيف النقاد، نشأ بحضرموت في قومه على رأي الإباضية كما يدل على ذلك قوله :
فإني من همدان أصلي وقدوتي فمرداس والأوطان أرض الحضارم
تولى الإمامة بحضرموت، واستوى عليها سنة 445 هـ كما في قصيدته التائية :
وتاريخها شوالٌ في عام أربع وخمسين تقفو أربعًا من هنيدة
وكان على صلة بأئمة عمان راشد بن سعيد اليحمدي ثم الخليل بن شاذان، واستنجد بالأخير حين صال الصليحي على حضرموت بل قبل صياله،وأخباره تطول،وهو صاحب أثر و كتاب كما في الدلائل والحجج [10].
6 ـ الشيخ قيس بن سليمان بن قيس الحضرمي
كان فقيهًا وعالمًا، حفظ عنه ابنه الإمام إبراهيم بن قيس العلم ونقل عنه مسائل في مختصر الخصال، وكذلك حفظ عنه ابن ابنه القاضي محمد بن إبراهيم، وأخذ عنه جد مؤلف الدلائل إبراهيم بن محمد وابنه الفقيه محمد كما مر آنفا [11].
ورد ذكره في السيف النقاد كثيرًا فمن ذلك :
إني لمن حسنات الشيخ واحدة ما كنت معترفا أو غير معترف
وقوله :
لكن أبي لا زال عني ظله للدين طود حــــــــامل الأثقال
لله ما أقواه من شــيخ على جهد البلا والخصب والإمحال
فهؤلاء ستة أعلام من هذه الأسرة التي نصرت المذهب الإباضي بحضرموت .
ـ ثالثًا : ذكر الإمام الخليل بن شاذان الخروصي
ممّا أفدناه من تأمل كتاب الدلائل والحجج ذكر الخليل بن شاذان إمام عمان، تولى الحكم سنة 445 هـ، وهو ممدوح الإمام أبي إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي، وقد زاره مؤلف كتاب الدلائل والحجج، ولازمه في حضره وسفره، وورد ذكره في أربعة مواضع من الدلائل :
ـ أحدها: عند ذكر القاضي نجاد فقال: ( سألني وأنا وهو في مسجد من مساجد الرستاق في بلد الإمام الخليل بن شاذان أيام قيامه ) وذكر مسألة نقض الوضوء من مس الفرج [12].
ـ الثاني : قوله: ( وكنا نسير في عسكر سار به الإمام ـ أعزه الله ـ الخليل بن شاذان من الرستاق إلى دون صحار وحللنا موضعًا يقال له صحم يزيد على عشرين يومًا …) [13].
ـ الثالث : (وقد شاهدت بنزوى مع الخليل بن شاذان ـ أعزه الله جميعًا ـ يخرجون فيها إلى المستغفر وهو الجبان فيتقدم فيخطب شيخ يقال له محمد بن أيوب بعد أن يصلوا ما شاء فرأيته يجلس جلسة خفيفة بين الخطبتين ، ولم أرهم يصلون الجمعة قصرا بنزوى ولا من أي وجه تركه والإمام قائم، والدعوة ظاهرة ) [14].
ـ الرابع : ( وقد شاهدت أبا علي الحسن بن علي بن قريش ـ رحمه الله ـ بنزوى، وكنّا بها في رمضان في عسكر مع الخليل بن شاذان في سنة 452 هـ … ) [15].
وهذه المواضع تفيد ثلاثة أمور :
1 ـ زيارة الفقيه أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله الحضرمي عمان، وملازمته للإمام الخليل بن شاذان أيام قيامه أي إمامته، فقد وافاه في نزوى، وصحبه في عسكره إلى الرستاق، وهي مدينة عريقة بعمان، كانت عاصمة الإمامة، وذكر كذلك صحار وصحم، وهذه الزيارة تدل على الصلة الأكيدة بين حضرموت وعمان في تلك الفترة فكريًّا وسياسيًّا، وقد ذكر الإمام أبو إسحاق الحضرمي أصحابه الذين يفدون إلى عمان قائلًا :
واذكر أخاك أبا إسحاق إن له عزما يفل غرار المنصل الرهف
2 ـ وكانت الزيارة سنة 452 هـ، وهذا يبين أن الإمام الخليل بن شاذان تولى الحكم بعد راشد بن سعيد، وليس كما ورد في تحفة الأعيان أن وفاته سنة 425 هـ .
3 ـ ذكر جماعة من أعلام الإباضية وفقهائها وكذلك إيراد مسائل فقهية .
وقد أثنى وأطال الثناء الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي في الإمام الخليل بن شاذان بقصائد كثيرة منها زيارته حين تولى فقال حين زاره :
وذكر إمام شاع في الناس ذكره وطاب الثنا فيه الخليل بن شاذان
فقطعت غيطانا وجاوزت أبحرا إليكم أجــر المجد من آل قحطان
ومنها الثناء عليه بما أمده من مال وسلاح :
هذا الخليل إمام المسلمـين حكت أنوار سيرته في العدل نيرانا
حتى عبرت إليك البحر منتصرا أيام عدت بما أوليـــت جذلانا
ومنها الاستنصار به في صد الغزو الصليحي، وفي ثنايا شعره ذكر لأوصاف هذا الإمام وشمائله، وهي كثيرة لا يتفق إيرادها في هذا المقام .
رابعًا : ذكر فقهاء عمان وقضاتها
ورد في الدلائل والحجج ذكر بعض فقهاء إباضية عمان ممّن التقى بهم وأخذ عنهم وهم :
1 ـ القاضي الحسن بن سعيد بن قريش
هو قاضي القضاة أبو علي الحسن بن سعيد بن قريش العقري النزوي، كان فقيهًا قاضيًا، توفي سنة 453هـ، ذكره مؤلف الدلائل والحجج في مواضع أربعة:
ـ أحدها : ( وقد شاهدت أبا علي الحسن بن علي بن قريش ـ رحمه الله ـ بنزوى، وكنّا بها في رمضان في عسكر مع الخليل بن شاذان في سنة 452 هـ … ) ثم ذكر مسألة في الصيام [16].
وأما الثاني والثالث : فإنه قد حفظ عنه مسألتين في باب السترة بين يدي المصلي وكتاب المواريث، وأما الرابع : في مسألة في صلاة الجمعة صرح فيها أنه قاضي القضاة [17].
مدحه أبو إسحاق الحضرمي مقترنًا مع الخليل بن شاذان بقوله :
سلام على قاضي القضاة فإنه دعامتنا المرجو لحمل الجسائم
وقوله :
أخو الدولة الزهرا التي عز أمرها بقاضي قضاة المسلمين الأطايب
ورثاه في قصيدة يقول فيها :
فيا حسن من للإمام إمـــــامنا إذا ما دهى الداهي لأمر كمحشد
ومن ذا يلاقي مـــعبدا أو محمدا وخــــــدنهما عبد الإله بن أحمد
ألا لـيت شعري اليوم أية بقعة حوتك لقد راحت بمــجد وسؤدد
بنزوى فيا نزوى سعدت بقبره أأم بمنافي أم بأجــــــــبال يحمد
ولوالده الشيخ سعيد بن قريش صاحب كتاب الإيضاح ذكر في الدلائل أيضًا في موضعين [18].
2 ـ الشيخ أبو عبد الله محمد بن صلهام
كان فقيهًا وعالمًا ورعًا ووزيرًا للإمام الخليل بن شاذان، سمع منه أبو إسحاق مؤلف الدلائل والحجج، فقال: ( وسمعت من الشيخ أبي عبد الله محمد بن صلهام والقاضي أبي حمزة المختار بن عيسى وغيرهم ونحن بعمان يقولون : الجمع إحياء للسنة في السفر … وكنا بالرستاق وسوني نصلي خلف أبي عبد الله محمد بن صلهام ـ رحمه الله ـ … )، وقال أيضًا: ( وقد شاهدنا أهل عمان وكنّا نصلي معهم بالرستاق خلف الشيخ محمد بن صلهام وهو من أهل العلم والورع وهم يؤكّدون ركعتي المغرب … ) [19].
وقد ورد ذكره في السيف النقاد في قصيدة منها :
سلام على نجل الإمام وشيخنا سلالة صلهام الفقيه المسالم
3 ـ القاضي نجاد بن إبراهيم اليحمدي المنحي
كان فقيهًا قاضيًا حيا سنة 447 هـ، حفظ عنه صاحب الدلائل حديثًا في مسألة نقض الوضوء من مس الفرج، وروى أن امرأة مسّت فرجها فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها بإعادة الوضوء، وهذه الرواية حفظتها من قاض من قضاة عمان يقال له نجاد سألني وأنا وهو في مسجد من مساجد الرستاق في بلد الإمام الخليل بن شاذان أيام قيامه فقال : ما الحجة في نقض الوضوء من مس الفرج؟ فقلت: الله أعلم. فقال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيّما رجل أفضى بيده إلى فرجه انتقض وضوؤه ، وأيّما امرأة أفضت بيدها إلى فرجها انتقض وضوؤها ) [20].
وورد ذكر جماعة آخرين منهم : الحسن بن أحمد النزوي قاضي الخليل بن شاذان، ومثل موسى بن أحمد، والقاضي أبي حمزة المختار بن عيسى، ومحمد بن علي العلقي العماني، وسعيد بن قريش العماني.
خامسًا : ذكر حضرموت وبعض المسائل
تضمّن الكتاب ذكر حضرموت في بعض المسائل الفقهية منها :
1 ـ مسألة في غسل الميت قال القاضي أبو عبد الله: والذي نرى عليه العمل اليوم بحضرموت أنهم يغسلون الميت ثلاثًا على حسب الرواية في غسل آدم عليه السلام [21].
2 ـ مسألة الجلوس بين الخطبتين قال أبو إسحاق: ولم نشاهد مشايخنا بحضرموت يجلسون ونحن على فعلهم [22].
3 ـ مسألة في الأيمان والنذور : وقال بعض علمائنا يعطي مكيالي بمدّ حضرموت [23].
4 ـ كان أهل حضرموت يفطرون مع دخول المغرب، فقال مؤلف الدلائل : وقد شاهدت أبا علي الحسن بن علي بن قريش بنزوى فرأيته لا يفطر حتى يظلم الليل وتبين النجوم، ولعل ذلك من كثرة الاحتياط؛ لأنه لا ينكر على من أفطر مع دخول الليل، وكذلك رأيت أهل عمان لا يصلون صلاة المغرب حتى تكثر النجوم لم نسألهم عن ذلك ولعل ذلك لإسباغ الوقت [24].
5ـ من أهل عمان من كره أن يقطع نخلهم وشجرهم وهو الشيخ أبو الحسن، قال : وأما سلفنا بحضرموت فحفظنا أنهم يقطعون نخل من امتنع عنهم .
قلت: وأشار أبو إسحاق إبراهيم بن قيس في السيف النقاد مبينًا ما ذكر :
كذلك نجزي الفاسقــــين بقطعنا مواردهم مع قطـــعنا كل لينة
ونصرم حبل المفسدين إذا عثوا بهز الرماح السمر والمشرفية
6 ـ من باب ميراث ذوي الأرحام قال: قد ذكرت دلائل في المواريث وتركت شرحها؛ لأنه يطول ولم أكن متمكّنًا لذلك [25].
قلت : والمتأمل للسيف الناد يجد قصيدتين في عويص مسائل المواريث مطلع الأولى:
شرحت مقالا في الفرائض محكما دقيق المعاني مضمرا أي إضمار
ومطلع الثانية :
يسآلني قيس الفتى ومحمد لأنشر أبياتا عجائبها جم
7 ـ ذكر مسألة في صفة البيع في سبيل وهي: بيعة الشراء مثل بيعة عبد الله بن يحيى، وبيعة الظهور ومنها بيعة أهل حضرموت لأئمتهم، وبيعة الدفاع مثل بيعة أهل حضرموت لعيسى بن حجوة، وبيعة الكتمان، قال مؤلف الدلائل :هكذا حفظته عن القاضي أبي عبد الله حفظه عن جده قيس بن سليمان [26].
قلت: وقد أشار أبو إسحاق إبراهيم بن قيس في شعره إلى عيسى بن حجوة فقال:
عيسى بن حجوة هم أبناؤه وبه قدما وتركة موسى قامت الدول
يا آل حجوة إن كانت أوائلـــكم نالوا العلا فبما نالوا العلا فسلوا
وأخيرًا: فقد أتينا إلى بيان المقصود في هذه المباحث الخمسة، ومنحت مع الخائضين بدلوي، وأسمت حبل البحث حيث أساموا، ولئن تفرق الناس وسلكوا شعابًا وأودية متعدّدة فظهرت الفرق المختلفة ـ منها الإباضية ـ فإنني أسلك شعب الصحابة وواديهم، وأدور معهم في عقيدة أهل السنة والجماعة، وما خالفهم فهو رد على صاحبه، وإنما نحن في سياق الحديث عن مرحلة تاريخية ينبغي أن تدوّن كما هي، ولا يحول الخلاف دون إيراد الأخبار، فهذه دواوين التاريخ مشحونة بالآثار، ولعلّنا كشفنا جانبًا من جوانب تاريخية حضرمية مهمّة، كان للدور الإباضي السيطرة على حضرموت، ولكن قبل أن يسلمه الضعف والوهن إلى الموت ليرثه الفقه الشافعي، فقد ملأ البلاد من العلماء الذين سألت عنهم فاطمة ـ امرأة أبي إسحاق الهمداني زوجها ـ وأنت بزفرة كما في السيف النقاد بقولها :
وأين الأولى إن خوطبوا عن دقائقمن العــلم أفتوا سائلــــيهم وسارعوا
فقلت لها هم في شــــــبام ومــــنهم بميفعة قوم حــــــــــوتهم ميافع
وفي هينن منــــــهم أناس ومنــــهم بذي أصبح حيث الرضى والسمادع
ومنهم بوادي حـضرموت جـــماعة وأرض عمــان سيلـــهم ثم دافـــــع
…………………………..
[1][1]) * عضو مجلس علماء وادي حضرموت .
[2] ) انظر المشرع الروي وغرر البهاء الضوي ، قالوا عن محمد بن علوي أنه كان من العلماء الزهاد بليغا أديبا فصيحا ذكيا له الباع الطويل في أجناس العلوم، وقالوا عن أبيه علوي أنه برع في العلوم لاسيما التفسير والحديث والعربية ، وأما عبيدالله فقيل كان عالما فاضلا ،وأناطوا القضاء على الإباضية بأحمد بن عيسى بل ونشر المذهب الشافعي .
[3] ) تاريخ حضرموت 1 / 276 ، وقال علوي بن طاهر أيضا ( والواقع أن الأشعار مصطنعة والقصة خيالية وإبراهيم بن قيس المزعوم شخص لم يوجد ) ومما قال علي بن صالح الحامد ( وبالجملة فأقل ما يقال في تاريخ إبراهيم بن قيس هذا بعد ما ذكر أنه تاريخ غير محقق وأن تلك شخصية مشكوك فيها إن لم نقطع بعدم وجودها ) ص 271 ، أما ما ذكره أبو بكر العدني ابن علي المشهور في سلسلة أعلام حضرموت بقوله ( أجمع المؤرخون على ظهور الإمام عبيد الله بحضرموت بعد عودته من الحرمين ظهورا كبيرا ) 2 / 18 وكذلك قوله عن ابنه علوي ( أجمع الكل على مقامه السامق وتفوقه في علوم الشريعة وآلاتها ) فهو كلام مرسل لا خطام له ولا زمام ، ودعوى لا تسندها أي أثارة من علم يشهد لهذه الدعاوى.
[4] ) الدلائل والحجج ص 607 فمن ذلك قوله: ( أحفظ عن جدي قيس ـ ووجدت في الأثر عن والدي ـ أن للإمام أن يتلف مال المحاربين من أهل البغي ولا ضمان عليه ) .
[5] ) وهذا التفريق بين الإهاب والأديم يجمع بين دليلين في المسألة هما حديث ميمونة وحديث عبد الله بن عكيم .
[6] ) ص 442 .( الواطئ في الحيض إذا وطئ تاب واستغفر وإن عاد تاب واستغفر وإن عاد تاب واستغفر فإن عاد في الرابعة حرمت عليه وأنا أميل إلى هذا القول والله أعلم) .
[7] ) ص 166 ـ وقوله : وقد وجدت لبعض مشايخنا وهو الشيخ إبراهيم بن محمد رحمه الله أن وليه يكبر له ص 221 .
[8] ) ص 293ـ 379 ـ 487 ـ 531 ـ 533 ـ وفي الأثر عن الشيخ أبي إسحاق أن من ضرب …
[9] ) ـ وعن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد إن أقله ـ النفاس ـ إحدى عشرة .
[10] ) ص 292 ـ 385 ـ 433 ـ 447 ـ 669 .
[11] ) ص 213 ـ 442 ـ 572 ـ 599 ـ 607 .
[12] ) ص 78 .
[13] ) ص 217 .
[14] ) ص 233 .
[15] ) ص 298 .
[16] ) ص 298 .
[17] ) ص 234 ـ 391 .
[18] ) ووجدت في الأثر في جواب مسائل عن سعيد بن قريش في كتاب الحيض ، ص 445 وقال القاضي أبو عبد الله محمد بن إبراهيم وحفظت عن محمد بن علي العلقي العماني أنه حفظ عن سعيد بن قريش العماني أن الجارية التي لم تحض تستبرأ ستة وعشرين يوما ص 475 .
[19] ) ص 216 ـ 250 وقال أيضا ( وكذلك حفظت عن أبي عبد الله محمد بن صلهام وكان من أهل العلم والورع بعمان قال : لنا عند منصرفنا من عمان إذا عقد الإمام البيعة فاحرصوا على كثرة مبايعة الناس للإمام …) ص 604 .
[20] ) ص 78 .
[21] ) ص 98 .
[22] ) ص 234 .
[23] ) ص 383 .
[24] ) ص 298 ،والسنة تعجيل الفطر .
[25] ) ص 392 ومما يدل على تواضعه أيضا : وأهل المغرب رحمهم الله أفضل منا وأقدم وأعلم بدين الله وأحكم ص 669 .
[26] ) ص 599 .