تخطَّ إلى المحتوى
مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتراث والنشر

سفر النجوم من روايـــة (العَنِيْن ) 2-3

إبداع

خالد لحمدي

هذه المقالة منشورة في مجلة حضرموت الثقافية العدد 7


المرجع : مجلة حضرموت الثقافية .. العدد 7 .. ص 110

رابط العدد 7 : اضغط هنا


لأول مرةٍ أرى البيتَ كئيباً ، وأحسستُ بالوحشة ، فأجهشتُ بالبكاء .

     تنفتح في القلب نوافذُ الكون هامسة :

     – أَوَ لازلتَ تعشقُ الصبرَ والانتظار ..؟

     ارتجف جسدي هامساً :

     – تعبتُ كثيييييرا .

     ولازلتُ أُولدُ مع كلِّ بذرة غرستُها في الأرض ونبتت وأينعت .

     مع كل سنبلة قمحٍ انحنت للأرض ، وحملت قمحاً كثيراً .

     يجيئُني العمُّ خميس ، بوجهٍ مقطب .. قائلاً بمرارةٍ وقلق :

     – لَم أرَ زمنا كهذا .

     وأردف بامتعاضٍ وخوف :

     – نركضُ خلفَ وَهمٍ وسراب ، تنعدم فيه الرؤية تماما .

     البردُ قارسٌ ، والأرضُ لم تعد تفي بحوائجنا والتزاماتنا المتزايدة .

     ثم أردفَ مؤكِّدًا ..

     – هذهِ الأرضُ سيجوع أهلُها ..

     حتى الكلاب صارت تتشاجر بعضُها مع بعض ، لاقتسامِ عظمةٍ ، أو جيفة لم يبقَ منها إلا  عظام يابسة .

     أسمعُ كلماته وكأنها طبلٌ يقرعُ في أذني ..

     هو لم يبع شيئا منذ الصباح ، ولم يعد أحدٌ  يشتري القصب والبرسيم كعهد سابق ..

ذهبَ الأمانُ ، وهربَ من يشتري منتوجَ الأرضِ من قمح وشعير وأعلاف ومحاصيل كثيرة .

     كلَّ الدروبِ مغلقةٌ ، ولا تنفتَّحُ إلا للسُرّاقِ ، ورجالات الموت والقتلة .

     ماعليش ياعمّ خميس ..

     – الصبرُ طيب .

     رد بوجه فاتر :

     – ماتت أرواحُنا قبل أن تجفَّ وتموتَ أرضُنا .

     قلت بذهول طافح :

     هل يُعقل أن يكونَ هذا هو العمَّ خميس ، الذي كان لا يخفتُ صوتُه ، ولا تغادرُ الضحكةُ شفتيه ..

     الأقوى جسماً ، والأذكى عقلًا ، والشهير بين مزارعي قريتنا .. انحنى ظهرهُ ، وخَفتَ صوتُهُ وأناشيده التي يغنّيها أثناءَ مواسمِ الحصاد ، بفرحٍ ونشوة ، تحت أشعة شمسٍ مضيئة ..

     أكلَ الدهرُ عمرَهُ ، وأنهكَ العملُ جسدَهُ ، وظلَّ رجلا عالي الخلق ، سمح المعشر ، ومحبباً بين كل الناس .

     يعارك الأرض وحيداً ، بعد أن أمسكَ ابنهُ سعيد بإمامة المسجد ، وحلقات الدرس التي يجمع فيها صغار القرية كل مساء ..

     انشغل بالمسجد وشؤونه ..

     يغادره بعد صلاة الفجر ، وقد ارتفعت الشمسُ في السماء .. يقضي حوائجَ بيتهم ، ثم يعودُ للمسجد قبلَ الظهر ، ولا يغادره إلا بعد أن يغلقَ الشبابيكَ والأبواب ، ويتأكد أنَّ حنفيات الماءِ أُغلِقت جيدا .

صرتُ ألتقيه في المسجد كل يوم .. وقد نقف أحيانا بعد الصلوات ، نحاكي بعضًا ، ونذهب بقلوب  تنضحُ صدقًا ووفاء ..

     وتمرُّ عقاربُ العمرِ بخفِّة وتسارع ، ولاشيء يؤخرها أو يعيدها إلى الوراء ..

     وحده من يولجُ الليلَ في النهار ، ويولجُ النهارَ في الليل ، وهو عليم بذات الصدور ..

     وأرواحُنا تنامُ في سرر الأمل والحلم ، وقلوبنا تعانقُ الريحَ وأهداب الفضاء ..

     أيُّها القلب أين أنت من كل هذا ..؟!

أَوَ لازلتَ متناغماً مع الماء وخرير السواقي ، ولا تزال الشمسُ تُقبّل وجهَك كل صباح ندي ..؟

كيف تحيا ..

     أو لا تزال كما كنتَ ، روحاً محمولةً على جناح النور ، مرتحلًا بين الشوق وسُهدِه ، وبين مرارة الشغف والظمأ ..؟

     كلّ الفضاءات ضيقة ، دون حضنٍ يتَّسع بك ولا يضيق .. وليست كُلُّ الرهانات خاسرة .. وبوسعك أن تدفعَ بالحب للأمام .. ويمكن لك أن تمسكَ به ، أو تدعه يهربُ بعيدا .

كل شيء بقدر .. وهذه أقدارنا .. لم نصنعها ولا نملك مردها أو تغييرها .. ولابد أن نعيش اللحظةَ كما جاءت ، ولا نعترض أو نمتعض .. ونسأل الحيَّ الذي لا يموت ، الأمانَ والعافيةَ .. وأعيننا مثقلة بالسهد ، وأرواحنا ترقب الخلاصَ ، وقد دنت في الأفق خيوط المغيب .

     اليوم لا يشبهُ الأمس . ومن مات من الاستحالة أن يعودَ .. وبيت هنا يزغردُ ويفرح ، وآخر يبكي ويشتدُّ بكاءً .

     يقف عمّي إبراهيم مُوشَّحاً بعباءةِ الصبح .. يدعو بصوت هادئ وعجيب :

     – يهل الله .. يهل الدار ..

     فزعتُ عند سماعي صوتَهُ المباغت .. فهبطتُ السلم ، ولم أدرِ كيف بلغت بي خطاي ، حتى وجدتُني أفتحُ له الباب .

     وقف للتو وجهه بوجهي ..

     رأيت في عينيه تعباً ، وساعات نوم لم تكتمل ..

     بادرني بصوتٍ متسائل :

     – أو لا يزال أبوك نائماً ..؟

     أجبته بتوجّس :

     – لا أظن ذلك ، فقد سمعتُ صوتَهُ قبل أن تجيء .

     ولم أكد أكملُ كلماتي ، حتى سمعتُ أبي يدعو عمّي للدخول إليه ..

     جلسا في ضيقة البيت متقابلين  (1) .

     شعرت وكأن عمّي إبراهيم سيقول شيئا ، ولا يرغب أن يسمعهما أحد .

     صعدتُ إلى أعلى البيت ، واندسستُ في غرفتي ، ملتحفاً بغطاءٍ أكثر دفئا ونعومة ..

     البرد ينخر مفاصلَ جسدي ، ورأسي يضجُّ بالتساؤلات القلقة .

     أرسل نظراتي تجاه نافذتَي غرفتي ..

     وقد بدأت تخترقهما خيوطُ ضوءٍ لا تزال باردة .

     شتاء قارس ، وبرد جاف ، لم أشهد مثله .. تجمَّدت المياهُ في البيوت والسواقي .. واخشوشنت الأجسام والوجوه ، ولم تحتمل جلودُنا تكاثف البرد ، واكتنفَ حياتَنا المللُ والضجر ..

     اجتمع الفقرُ والبؤس ، ونَقَر البيوت العوزُ ، ولم تكشف الناسُ بؤسَها وجوعَها  وقليلٌ هي المنازلُ الميسورة حالُها ، وأغلب النجع يتساوون في الجوع ، ويطعمون بعضا وقت الاكتفاء .

     رغم كل شيء ، لم يكنز بيت طعاماً .. دون أن يطعمَ البيوتَ المجاورة ..

     في خضم تساؤلاتي وقلقي ، مما يحدث فينا وحولنا .

     إذ صعقتُ عند سماعي صوت أمّي ، قائلةً بعمق وتأثر :

     – كيف يرضى أَن يزوّجهَا من رجلٍ لا يعرفُ عنه أيَّ شيء ..؟

     ضحكَ أبي وتنهَّدَ بارتياح ، وقال كمن هو غير مبال :

     – هذا الأمرُ لا يعنيني شيئًا .

     قالت أمي بخوفٍ دافق :

     – الأجدر بك أَن تنصَحَهُ .

     ردَّ بغضب وتساؤل :

     – أنَصَحه ..!

     ثمَّ صمت برهةً ، وحملق بقوة في وجه أمي ..

     وقال بصوت غاضبٍ منذر :

     – هذا شأنُه ..

وحذارِ أن تتفوهي بشيء كهذا ، أمام الآخرين .

قالت أمي بصوت منقبض :

– لا يصحُّ أمر كهذا ..

جزعت روحي واضطربت دواخلي ..

صحيحٌ أنَّني لَم أفهم ، ولم أتبيَّن ما سمعْتُ ..

فنفضتُ لحافي ، وغادرتُ سريري ، وقلتُ لأبي مستوضحا عن الخبر الذي وصلني بغتة ..

رد بصوت لا مبالٍ :

– تقدّمَ عريسٌ لهدى …

قاطعتهُ وخنقة تملؤني ..

– لا ..

رد أبي بتساؤلٍ ممض :

وماذا يعنيك أمرٌ كهذا ..؟

قلت بقلق وحنق :

– بل يعنيني كثيرا .

قال أبي ، كمن يستوضح شيئا :

– ماذا قلت ..؟

فقلت مؤكِّداً كلامي :

– بل يعنيني ..

– يعنيني كثيرًا ..

وقَفَ أبي ممتلئاً غضبا ثم قال :

– أَنتَ لسْتَ وليَّ أمرِها .

ثم صَفَقَ البابَ بعصبية وتركنا ، وغاب في صمته وعزلته ..

وروحي تموت كل يوم ، وتُقتل بأساليب وطرقٍ عدة .

السحر والجمال والفتاة الرائعة ..

تُسْلَبُ من بين يدَيّ ، وأنا أقفُ بخضوع وصمت .

كيف يحدثُ أمرٌ كهذا ..؟!

يجب أن أحزمَ وأتدبَّرَ أمري ..

فالوقتُ يزحفُ ، ويسرق روحي .. وقلبي يعيش موته والعذاب .

أَوْ هَلْ يخجلُ العشّاقُ من حُبّهم . وأرواحهم تتلظى على جمر التشهِّي .. وحرائق السهد والاشتياق ..؟

أريد أن أصرخَ بملءِ صوتي ، وأشقَّ جدران الصمت البائسة .. – كفى ..

تعبتُ ، ولا أرغب أن أموت وحيدًا .. وعيناي تتأمَّلان موتي ، ونهايتي التي أرادها لي أبي .. وحيد في غرفة باردة ، تملؤني توتراً وسأماً وتمنحني الصبر والتروِّي ، وتهيِّئُني للنوم برفقة فتاة ، لا تدرك ما يدور حولها ويعتمل .

مصيري معلقٌ بكلمة واحدة .. تضعُني على سكَّةِ الحياة ، أو ربما تقودني نحو الهلاك ، بمزاجٍ تعسٍ وكئيب .

كان المطرُ والثلجُ ، يضرب الأبوابَ والنوافذَ ، وعواصف تحمل صقيعا وبردا ، وفي الأفق غيومٌ تلوِّنُ وجهَ السماء ، وفي داخلي ينبضُ قلب ، يمتلئ وجعاً وألما ..

ليس سوى نفسٍ ، ونبضة قلب ، تباعد بيني وبيت عمّي إبراهيم ..

خطوة أوْ خطوتان وأحادث وأنظرُ وجهَ من أحبّ ..!

أو سأنتصر أم أغادر منهزماً ، أجرُّ الخيبةَ ، وجرح لا يبرأ أو ينطفئ ..

هذه المقالة منشورة في مجلة حضرموت الثقافية العدد 7