قبيلة قضاعة اليمنية
أضواء
هذه المقالة منشورة في مجلة حضرموت الثقافية العدد 12

المرجع : مجلة حضرموت الثقافية .. العدد 12 .. ص 15
رابط العدد 12 : اضغط هنا
قبيلة قضاعة أشهر القبائل اليمنية، وهي تحتل مناطق عديدة في اليمن. وكانت قضاعة الساحلية منقسمة على نفسها، وكانت في حروب طاحنة فيما بينها، وكان أبرز فروع قضاعة الساحلية قبيلة المهرة، ويليها في القوة والبأس قبيلة بني عليان بن مالك القضاعية، التي كانت تحكم الشحر في زمن غير معروف قبل الإسلام.
كان لبني عليان بن مالك ملك يسمى الهميسع بن النمر بن مرة بن عليان بن مالك القضاعي. وبسبب التناحر بين الفروع القضاعية طمعت كنده في اقتحام منطقة قضاعة الساحلية، وعلى احتلال منطقة الشحر بوصفهما مينائين تجاريين مهمين في ذلك العهد.
توفي الملك الهميسع بن النمر ملك الشحر وخلف من النسل سمعون بنت الهميسع بن النمر، وهي أرملة في الثلاثين من عمرها، ولها ولدان صغيران هما: أنعم بن شرحبيل في العاشرة من عمره، والنابغة بن شرحبيل في الثامنة من عمره، أبوهما شرحبيل بن طابخ بن النمر، وهو ابن أخ الهميسع، وكان يعمل ربانًا في السفن التجارية، وقد مات غريقًا عند خروجه من شرق أفريقيا إلى الشحر.
كما خلف الملك الهميسع أيضًا، غاشم بن الهميسع، وهو فتى في الحادية عشرة من عمره، والمخيلة بنت الهميسع، وهي فتاة في التاسعة عشرة من العمر، والزبينة بنت الهميسع، وهي فتاة في الثامنة عشرة من العمر، وإلى جانب هؤلاء الأولاد خلف الهميسع أرملة هي “ماء السماء” بنت الحارث من قضاعة وادي عمد، وكانت أم ولديه وبناته الثلاث.
الملكة القضاعية (سمعون) ملكة الشحر
كانت سمعون تتمتع بجمال رائع، ولذا يلقبها أهل الشحر، بـ(سمعون الكحيل أو الكحيلة)، وهو وصف أبقته لها أدوار التاريخ إلى يومنا هذا. وشعراء الشحر الشعبيون كانوا يشيدون باسمها في أشعارهم، ومن ذلك قول المغفور له الشاعر الشعبي الشحري، صلاح جابر النوبي حيث يقول في إحدى مقطوعاته الغنائية:
| وليش بالتيــــــه كله | نا ع السفه ما أقدر | |
| لا أنت بوران وحسنك | كما سمعون -ذلا حكاية سمر- |
ويقول الشاعر الشعبي الشحري سالم محمد باحويرث، المتوفى سنة 1325هـ من قصيدة رباعية له يصف فيها حالة الشحر الاقتصادية في عهده، وذلك بعد أن احتكر الهنود التجارة الخارجية والداخلية في المدينة قال:
| آهوين ياشحر سمعون الكحيل | وسوقها من زمن يرقل رقيل | |
| ولا بتاوى ماثل به مثيل | الله يشهد وخلقه شاهدين |
إلى قوله:
| كانت كما أيام سمعون الكحيل | وهي بلاد الغني والغنتكيل | |
| ما هي كما تاربة أرض البطيل | وإلا كما القطن وإلا كالعنين | |
| تجارها رجال نازلهم نبد | كل يوم مركب ينزلها عدد | |
| ما الموسم ذي السنه إلا كعد | شوفها عجيبة تلعب عرض السنين |
ثم ينادي الملكة سمعون بقوله:
| سمعون يا كفن الظل الظليل | أين الهميسع واينه شرحبيل | |
| لي حلوا سعاد جيلًا بعد جيل | نعمة قضاعة رجال راشدين | |
| سمعون شي الشحر رجعت كصداع | وقوتنا في زعائم باسباع |
إن تمت إلا كده هذا الضياع * * أهلش غدوا في السواحل شاردين
والقصيدة هذه تقع في أربعة وخمسين رباعية، ذكر الشاعر فيها من كانوا تجارًا من أهل الشحر في عهده، والذي يهمنا من كلام الشاعر باحويرث إشارته إلى الملكة سمعون وأبيها الهميسع وزوجها شرحبيل وقبيلتها قضاعة، وكم هي مثيرة للشجن كلمته، فقد كان -رحمه الله- يرى أن أهالي الشحر بتليدهم وطريفهم ما هم إلا امتداد للأصول التي انحدرت منها ملكة الشحر القديمة سمعون.
وقد اختار بنو عليان بن مالك القضاعيون سمعون لتكون ملكة عليهم بعد وفاة أبيها، لصفات كانت تتحلى بها، وهي: قوة الشخصية، والذكاء المفرط، والشجاعة، وحسن الرأي، والتدبير، والعطف على المواطنين، ومحبة المواطنين لها، والإلمام التام بأحوال بلادها الداخلية وعلاقاتها الخارجية قديمًا وحديثًا. وفي هذا مصداق لكلام الشاعر الشحري المغفور له عوض سعيد العماري المتوفى سنة 1328هـ، حيث قال:
| ذكرت الحكم ذي يبتر ويقطع | قضاعة ذي جعلت للكل تلتول | |
| زمن على الحق خلوا الذيب يرتع | سوا والسارحة والسيف مسلول | |
| زمن كل شيء ثبت ما شي تضيع | زمن سمعون في قاتل ومقتول |
وعن طريق تلقي الخلف عن السلف، كان أهل الشحر يعلمون عن تاريخ الشحر الإخباري ما يجهله الكثيرون الآن.
فقد كان النابغون منهم الذين عاشوا إلى ما يقرب أربعين عامًا مضت يعلمون أخبارًا عن أحوال الشحر القديمة حتى ولو كانت أخبارًا امتزجت فيها الحقائق بالأساطير. وفي ليلة زفاف سمعون إلى ابن عمها شرحبيل بن طابخ أطلق أبوها اسمها على المسيال الذي يخترق مدينة الشحر في موضعين، كذكرى لزواجها الميمون، فأصبح يدعى مسيال سمعون بعد أن كان يعرف بوادي السرحة. والسرحة أو السرح هي شجرة دم الأخوين، وكانت هذه الأشجار توجد في هذا المسيال؛ ولأن عُود هذه الشجرة قوي جدًّا لا تأكله الأرضة أو أية آفة من آفات الخشب، فكان أهل الشحر يسقفون بها بيوتهم إلى عهد قريب.. وقد بلغني من أحد المهتمين بشئون الغابات أن شجرة السرحة، شجرة برية لا تغرس ولكنها تنبت عشوائيًا في بعض المناطق الممطرة موسميًا؛ لأنها تحتاج إلى مطر غزير يسقيها، ولأن وجودها في هذا الوادي، وادي سمعون ليدل على أن الأمطار كانت تهطل بشكل موسمي بغزارة في هذا الجزء من جنوب بلاد العرب في العهود التي عاصرت الملكة سمعون.
والآن سوف نروي حادثة، كانت في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، قد حدثت على عهد الملكة سمعون ملكة الشحر، فمن الأخبار التي تلقيناها من أهالي الشحر السابقين أمثال: سالم بن أحمد عيديد، وعمر عبود حميد، وصالح بكار باشراحيل، وناصر جابر النوبي، والعلامة محمد بن عمر العماري، والمقدم أحمد بن علي بن ناصر بن بريك، والحاج سالم بن أحمد بن بريك وغيرهم من الثقات، ومن أخبار أوردتها الكتب التاريخية استطعنا أن نصوغ فذلكة من تاريخ الشحر القديم.
في أحد العهود الضاربة في القدم في التاريخ هاجرت فروع من قبيلة كندة اليمنية من مطارحها بحضرموت إلى منطقة البحرين، ومنطقة البحرين تعني قديمًا بالمنطقة الممتدة من رأس مصندم في عمان إلى القبلة في العراق.
وتشمل هذه المنطقة ما يعرف الآن بدولة الإمارات العربية المتحدة وقطر والأحساء والقطيف والكويت وجزءًا من العراق. والفروع الكندية التي هاجرت من حضرموت كانت السكاسك، والحروم، وبنو الأشرس، وبنو دومان، وبنو الأشعث، وبنو لعجم، وبنو عفير، وبنو المعشار، وبنو عكابة، وبنو مرتع، وبنو ثعلب. أما فروع كندة التي ظلت بحضرموت منهم بنو الليث بن حارث -أي الصيعر-، وبنو المحايل، والسكون، وبنو الريش، وبنو ذهل بن معاوية، والصدفيون، ونقيب، وبنو معاوية، وبنو وهب، وبنو قشاقش، وكانت منازلهم في حضرموت الصحراء الشمالية الغربية والسور، ووادي سر، ووادي هينن، ووادي جعيمة، والهجرين، ودمون الهجرين، وعندل، والقزة، والكسك، وهي المنطقة الواقعة بوادي عدم وساه إلى الخون، والفرط، والمسحرة، وشبام، وكسر قشاقش.. وفي منطقة البحرين دخلت كندة في حروب مستمرة على مدى فترة من التاريخ مع قبائل عنزة، وتميم، والمناذرة، والغساسنة، وبني أسد، إلا أنها استطاعت رغم كل المعاناة التي صادفتها أن تثبت أقدامها في دومة الجندل، والمشجر، ودبي، ونجد اليمامة، ولما هاجرت قبيلة طي من اليمن ودحرت بني أسد من منطقتهم من نجد، وهي المنطقة المعروفة بجبال أجأ وسلمى، اضطرت كندة إلى محاولة النزوح إلى بادية السماوة في حوض نهر الفرات بالعراق، ولكنها منعت من قبل المناذرة والفرس فضاقت على كندة الأرض بما رحبت إلى أن كان ذاك اليوم المشهور من أيام العرب، وهو يوم (الدوابر)، الذي دارت فيه رحى الحرب بين تميم وكندة، وكان النصر فيها لتميم على كندة، وكانت خسائر كندة عظيمة في الرجال والأموال، عندها أشارت بعض القبائل اليمنية على كندة بالعودة إلى حضرموت، فقررت العودة، وكانت أعداد كندة الذين قرروا العودة في ذلك الحين ثلاثة وثلاثين ألفًا بما فيهم الأطفال والنساء والشيوخ، وكان فيهم سبعة آلاف من المقاتلين منهم ستمائة من الفرسان. وقبل أن تعود كندة إلى حضرموت قررت أن تنقسم على قسمين. قسم يحاول احتلال منطقة الشحر، وقسم يعود إلى منازله الأصلية في داخل حضرموت.
كانت منطقة الشحر منازل لقبيلة قضاعة وأشهر فروعها المهرة، وجرم، وبنو عليان، وبنو المسن، وبنو الحارث، وبنو ضبضب، وبنو حلوان، وبنو الخنت. أما في داخل حضرموت فكانت فروع قضاعة بنو حرام وهم الآن آل كثير، وآل تميم، والمناهيل، والكرب، وآل حبروت، والعفار، ناهيك بفروع من قضاعة واسعة متنافرة في جزيرة العرب، وفي نواحي الشام وبالأخص في هضبة الجولان، وفي الأردن.
لقد ترامت أنباء اعتزام العودة إلى حضرموت إلى قضاعة، وكان ذلك في حياة الملك الهميسع ملك الشحر، فأرسلوا إلى البحرين جواسيسهم ليتسقطوا أخبار كندة وتحركاتهم وليرفدوا بها قبائلهم أول بأول، ولقد أقض مضاجع قضاعة الشحر أن تعلم أن كندة يخططون للاستيلاء على منطقتهم وتشريدهم منها بعد إبادة من يستطيعون إبادته منهم، فأقامت دعاة من قضاعة ينادون بضم الصفوف وتناسي أحقاد الماضي ومآسيه، وكان أكبر داعية هو حليف قضاعة الأثيكل بن سنان رئيس قبيلة ثعين، وكان من أشهر الخطباء، وكان من مساعي هذا الرجل الحكيم ضمّ قضاعة صفوفها المهرة – والسماح وثعين وبنو عليان. وأقامت صلحًا فيما بينها وهدمت وراقت الدماء والغزوات القديمة وجددوا أحلافهم مع بادية المشقاص وهم بنو عجيل، وبنو عمرو الحموم – وثعين. كما جددوا بينهم وبين المعورب – أي قبائل حمير التي يجاورونها من الغرب وحدهم من وادي حويرة إلى وادي ميفعة في أقصى الغرب.
وعقدت قضاعة لواء الرئاسة للملكة سمعون عليهم؛ لأن بني عليان يمثلون الفرع القضاعي الأكبر ثروةً وعتاد حربٍ. ولأهمية المنطقة التي يسكنونها من الناحية التجارية إذ إنها كانت مفتاح حضرموت الداخل. حصل الإيلاف بينهم، وكلمة الإيلاف تعني العهد المقدس الذي لا ينعقد إلا في حرم الصنم عوض تأكيدًا لأهمية ما تعاهدوا. وقد حصل اجتماع في قصر المنيف -ومكانه كما قيل لي في المكان الذي يقع فيه حصن بن عياش اليوم-، وهو الحصن الذي كانت تسكنه وتحكم منه الملكة سمعون.
وقد حضر الاجتماع الضم ضم الزويدي رئيس قبيلة المهرة، والأثيكل بن سنان رئيس قبيلة ثعين، والصبر بن طابخة رئيس قبيلة السماح، والفهد بن قطم رئيس بني عجيل، ومجدوع بن المهرمة رئيس قبيلة الحموم، وكان نجما الاجتماع الأثيكل الثعيني، وثوبان بن كلثوم رئيس كهنة قضاعة آل عليان، وفي هذا الاجتماع استعرضوا كل المعلومات التي أرسلها إليهم عيونهم المنبثون في معسكرات كندة بالبحرين.
من أهم تلك المعلومات أن كندة في تحركها إلى حضرموت سوف تنقسم على قسمين: القسم الأكبر منهم وفيه الأطفال والشيوخ والنساء والمواشي سوف تمر إلى شمال جبال مهرات منحدرة إلى أسفل جبل حبيشة، ثم قائمة سناء ثم إلى شعب هود، ثم يخترق الوادي إلى المسحرة، ومنها إلى الكسر، ثم إلى منطقة الصيعر، ثم إلى شبوة. أما فرسان كندة وعددهم ستمائة فارس فسوف يمرون شمال جبال مهرات ثم ينحدرون في منطقة السماح أهالي وادي المسيلة فيعزلون ثعين، وينزلون بطن وادي المسيلة إلى مكان يقال له بزوم ليقتحموا حريج فيفصلون الجزء المهري ويشلون حركة ثعين. ومن بعد حريج يمشون إلى مناطق ساحلية حضرمية منبسطة وعامرة بالماء العذب والمنتوجات الزراعية والسكنية وهذا ما يلائم حركة خيولهم وتوفير الماء العذب لها، والماء والطعام لهم. وسيكون الهدف الثاني لكندة منطقة معبر ممر قيادة الحموم مخلفين مناطق بني عجيل خلفهم، وكان غرضهم من تشتيت الحموم هو معرفتهم بما للحموم من صلات تجارية قوية بالشحر واحتكارهم لطرق القوافل المؤدية من الشحر إلى شبام، وهذا ما كانت كندة تؤمل في الاستيلاء عليه والدفع بالحموم إلى أعالي جبالهم وأوديتهم البعيدة وحصرهم فيها، ثم إنهم بالاستيلاء على معبر سوف يتحكمون في المناطق المحيطة التي تنبت اللبان أو في الأقل التسلط على أهم تجارة للبان. فإذا حققوا ما خططوا له فإن كندة بعد ذلك سوف يسهل عليها الاستيلاء على الشحر والتحكم في مينائها العظيم وتجارتها الواسعة، بعد أن يدحروا بني عليان إلى جهة الغرب. ومن خططهم كان تحطيم صنم قضاعة عوض، والبعض ينطقونه عوض، ووضع صنم كندة والذبيح في مكانه في أعلى وادي العيص إلى الشمال من جبل ضبضب، وكانت الملكة سمعون هي التي تقرأ على الحاضرين المعلومات المفزعة، وكان الحضور يستمعون صامتين، وكأن على رؤوسهم الطير، وبعد أن أنهت الملكة حديثها، تكلم الكاهن ثوبان بوصفه رئيس المجلس الاستشاري للملكة، وأضاف قائلًا: إنني أؤكد كل ما ذكرته مليكتنا العظيمة، وأنبه الحاضرين إلى أن حركة كندة سوف تبدأ أول مطلع الدلو أي في أكتوبر، وهو مطلع الشتاء، ومحتمل أنهم سيصلون إلى رؤوس وادي المسيلة في نجم الهقعة، أي أواخر ديسمبر، أي بعد تسعين يومًا من بدء حركتهم من منطقة الخليج نحو حضرموت نحونا..
إننا اليوم في مطلع النعائم مطلع الخريف والبحر مغلق، ولكن العديد من رجالنا ورجالكم سوف يركبون البحر في سفننا الشراعية إلى الهند وإلى الخليج وإلى السواحل الأفريقية الشرقية في نجم سهيل، أي في الأسبوعين: الثاني والثالث من شهر أقسط. لذلك فإنني أرى أن ألغي أسفارنا هذا العام لكي يتوفر لنا الرجال المقاتلون، نحن هنا نستطيع أن نزود جيشًا من حملة الرماح والسيوف والقسي والسهام المسمومة، قوامه ألفان من شبابنا المقاتلين؛ ذلك لأن معسكرنا في المعينة، وقوامه ألف وخمسمائة مقاتل سيظلون حيث هم حتى لا تفاجئنا حمير من المعورب من جهة الغرب. سيكون قائد جيشنا إذا وافقت الملكة سمعون الزبرقان ابن عادية، وهو شاب متمرس في الحروب، وسيساعده ثلاثون من خيرة قادتنا العسكريين. وبعد أن سكت رئيس الكهنة، طلبت الملكة سمعون من الحاضرين الحديث فأشاروا جميعًا إلى الأثيكل بن سنان رئيس ثعين فقال: إن كل ما ذكرته الملكة سمعون هو كل ما قد بلغنا من عيوننا المنبثة في معسكرات كندة، وكما تعلمون أننا جميعًا ليست لدينا قوة من الفوارس، وفي حساب الحروب عند العرب أن ستمائة فارس تعادلها قوة من المشاة قوامها في الأقل ثلاثة آلاف مقاتل من الأبطال المغاوير، وقد سرَّني جدًّا أن أسمع من الكاهن ثوبان أن بني عليان في استطاعتهم تجهيز جيش قوامه ألفا مقاتل.. أما القائد الزبرقان فأظن أن كل من في المنطقة قد علم عن بطولته وعن خططه القتالية الفاعلة. إن لديَّ اقتراحًا سأقدمه لكم للنظر فيه وهو أن علينا أن نرسل من أولادنا من نثق بهم ليقابلوا كندة على الطريق، وليعملوا معهم كمرشدين؛ لأنهم لا يعرفون مناطقنا، وعلى هؤلاء أن يخفوا هوياتهم، وأن يقودوا كندة إلى كمائننا في المنطقة الواقعة بين رؤوس وادي المسيلة وبزوم. إن هذه المنطقة لا تصلح لحركة الفرسان نظرًا لوعورة أراضيها، وهناك مداحر كثيرة بها لا بد أن نجعل كندة يسلكونها لكي نتمكن نحن برماحنا وسيوفنا وسهامنا المسمومة من الفتك بأكبر عدد من فرسانهم. إن هذه المنطقة هي أملنا الوحيد للتصدي فيها لفوارس كندة لأن حركة خيولهم ستكون بطيئة جدًا، وبالحركة البطيئة لا يستطيع الفرسان اقتحام مواقعنا بالقوة التي يريدونها. إنهم فوارس أبطال لا شك في ذلك، ولكنهم فوارس صحراء ونحن رجال جبال، وأعرف منهم بمناطقنا، وكما يقال فإن الأرض تقاتل مع أهلها. وبما أنكم تجهلون بعض هذه المناطق فنحن سوف نتولى اختيار المرشدين من بين رجالنا؛ لأن المسيلة مشتركة بيننا وبين المهرة.
إن لهجة المهرة سوف لن تخفى على رجال كندة، ولكن لهجتنا الحضرمية سوف تخفى. وأيضًا فإن رجالنا سوف يخفون هويتهم عن كندة. لذلك فإن المرشدين سيكونون من رجال ثعين فقط. وإنني أحب أن أسمع الملكة سمعون وبقية الحاضرين في اقتراحي الذي قدمته. عندها أيدت الملكة والأثيكل وطلبت التعليق عليه من قبل رؤساء المهرة وبني عجيل والحموم والسماح. فتحدث رئيس قبيلة الحموم مجدوع بن الهرمة وأيد رأي الأثيكل الثعيني، ووافقه رؤساء المهرة والسماح وبني عجيل. بعدها سألت الملكة سمعون ما إذا كان الحضور يوافقونها على رأي الكاهن ثوبان بإلغاء أسفار السفن هذا الموسم، فرد الحاضرون بالموافقة. عند ذلك اقترحت الملكة سمعون ترك العمل بيد القائد الزبرقان والقادة العسكريين من القبائل الخمس، ليرتبوا حشد العدد الكافي من الجند الذين سوف يتصدون لمجابهة كندة في وادي المسيلة، وليقرروا أعداد المقاتلين الذين سوف ينبثون في طول المنطقة وعرضها – هناك من يفلت من كندة من الكمائن في وادي المسيلة. واختتمت الاجتماع على أمل اللقاء في صباح الغد. وهنا تعلن الملكة سمعون أن المطايا جاهزة لنقل الرؤساء إلى حرم الصنم عوض لإبرام العهد المقدس والتصالح والتضامن بين الفرقاء الذين يخصهم الأمر. ويخرج الحاضرون من القاعة تتقدمهم الملكة سمعون، ويتوجهون إلى الصنم في منطقة هيام، والتي تنطق الآن (يمعوض)، ومعنى كلمة هيام؛ المقر، وعوض اسم الصنم أي مقر الصنم أو حرم الصنم، ويتم في حرم الصنم الإيلاف في التحالف والتعاضد وهدم وردم كل المآسي بين كل الأطراف المعنية وتمشي الأمور على ما يرام. ويتقدم مقاتلو قضاعة وأحلافهم إلى مناطق القتال ويقبعون في مناطق استراتيجية.
يوم النذور والمنح
وقبل أن نخوض في موضوع النذور والمنح ينبغي لنا أن نفهم بوضوح أن النذور هي الحيوانات التي يتقدم بها أصحابها نذرًا لتذبح طعامًا للزائرين في مقر الصنم عوض، سواءً كانت من الإبل أو البقر أو الغنم.
أما المنح منيحة فهي الحيوانات التي يمنحها أصحابها مؤقتًا للصنم ليشرب ألبانها الزائرون بمقر الصنم عوض. وبعد أيام الزيارة تعاد المنايح إلى أربابها. كذلك علينا أن نفهم الفرق بين كلمتي النعيش والتنويش.
فالنعيش هو أن ترفع المرأة الشابة رأسها مايلة به قليلًا إلى الخلف، ثم تنشر شعر رأسها في اتجاهات مختلفة حسب حركات وإيقاعات معروفة، وهذا معناه صحة الجسم وقوة الأعصاب ووفرة الشباب. وفي العادة لا تتقدم للنعيش إلا البنات السليمات الأبدان والواثقات من ملاحة وجوههن، وتناسق بقية أعضاء أجسامهن، وطول شعر رؤوسهن.
وأما كلمة التنويش فمعناها المناوشة، أي المباراة بين الفتيات الشابات فكل واحدة منهن تناوش الأخرى، أي تباريها على قوة الاحتمال، وطول الشعر، وصباحة الوجه، ورشاقة الحركات، ولمّ أكبر عدد من المعجبين الشباب.
والمرأة في كل العصور تجعل من نفسها مركز الجاذبية للرجل ومصدر بهجته وسروره مهما تعلمت وتثقفت ولو كانت حتى رئيسة الدولة. والتعليم على أية حال لا يتعارض في كون المرأة فتنة خلقها الله بين الأنام.
وبعد أيام يعقد اجتماع شعبي في (عجل بات)؛ كلمة (عجل بات) كلمة يمنية قديمة مثل يا معوض، وتعني عجل النذور والمنح، وبات معناها ساحة، أي ساحة تقديم النذور والمنح والتي نطقها الآن (عيبات).
يترأس سادن الصنم الكاهن المساعد الأكيل بن عوف، وعند وصول السادن إلى ساحة النذور وجد جموعًا من الرجال والنساء والأطفال في انتظار تقديم نذورهم. فدخل خيمته وافترش أرضها وقد رفعت سقفها، ثم تناول سجلاته الجلدية وأقلامه ومحبرته ونادى أن يتقدم الحاضرون فردًا فردًا. وكان أول متقدم غوث بن فلهوم القضاعي، وهو أحد رجال قصر الملكة سمعون. وقال غوث مخاطبًا الكاهن الأكيل لقد بعثتني الملكة سمعون أن تسجلوا لها نذرًا للصنم بالنصر لرجالنا المقاتلين ضد كندة المعتدين، وهو خمسون قعودًا وعشرون ثورًا طعامًا لقضاعة، وثلاثمائة منيحة من الغنم شرابًا لهم. ثم طلب غوث بن فلهوم من الكاهن أن يسجل نذرًا من “ماء السماء” أم الملكة سمعون قدره عشرة ثيران وعشرون كيسًا من البر وخمسون جرابًا من التمر الزائل للصنم بأن يعود أبناؤها الغاشم ورواس من الحرب سالمين، وأن يكتب لجيش قضاعة وحلفائها النصر على كندة المعتدين. كما نذرت “ماء السماء” أن تخدم ابنتاها المخيلة والزبينة زائري المعبد طيلة أيام الزيارة.
كان غوث بن فلهوم يتحدث، والسادن يُقيِّد كل ما يقوله ثم أردف غوث قائلًا: إنني أرجو من السادن أكيل بن عوف أن يسجل نذرين: أحدهما من أخت الملكة المخيلة وعمرها (19 سنة)، والثاني من أخت الملكة الزبينة وعمرها (18 سنة)، ونذرهما أنهما سوف ترقصان رقصة التنويش في ساحة النذور عند الصنم إذا تحقق النصر لأبطال قضاعة وحلفائها ضد كندة المعتدين وعاد إخوانهما رواس وغاشم سالمين من الحرب. وقد سجل السادن هذين النذرين. ثم نادى السادن في الجمع تاركًا المجال لمن أراد الانتذار. فتقدمت امرأة وقالت إنني الرعد بنت قحطان، وقد نذرت للصنم عوض بثور طعامًا لضيوف الصنم إذا تحقق النصر لرجالنا على الملاعين كندة. ثم تقدمت فتاة شابة أن اسمي مزنة بنت الصّح نذرت للصنم أن أرقص عارية إلا ما يستر العورة والثديين في ساحة النذور إذا انتصرنا على أعدائنا كندة. ثم تقدم رجل مسن يتوكأ على عكازه وهو منحني الظهر ويقول اسمي النطح بن هبورك، لقد انتذرت بأربع منايح غنم لضيوف الصنم شرابًا إذا انتصرنا على الأعداء كندة.
فخاطبه السادن قائلًا: يا النطح، فأجاب الشايب المنحني الظهر بصوت عال: نعم.. فقال السادن: إن عليك نذرًا سابقًا لم تفِ به للصنم وهو وعل وثور أملًا في إصلاح زراعتك، وقد علمنا أن الموسم لديك كان وافرًا ولكنك لم تؤدِ ما عليك. فأجاب النطح: حقًا ما قلته أيها السادن، ولكني لم أستطع أن أقنص الوعل ولذا لم أتقدم بنذر ناقص، ثم قال وكما ذكرت يا أكيل زراعتي تحسنت فرأيت أن أفلح أرضًا جديدة، ووجدت أنني بحاجة إلى الثور لأحرث الأرض الجديدة، فهل تظن أن الصنم غاضب علي. فقال السادن: نعم الصنم غاضب عليك؛ لأنك قصرت في استضافة زائريه. فسأل الشايب والحل، فأجاب السادن الحل هو الوفاء، وإلا طبقنا عليك العقوبة بقانون النذور.. فتساءل الشايب متخوفًا عقوبة قانون النذور؟ فقال السادن: أجل عقوبة قانون النذور، وهي صارمة جدًّا. فتساءل الشايب ماذا تعني بذلك؟ فأجاب السادن: أستنزل عليك اللعنة لتصاب بمكروه في حالك ومالك. فقال الشايب أبيت اللعن أيها السادن لا قِبَلَ لي بمثل هذه العقوبة، أعدك أنني سأحضر الثور غدًا وإلى جانبه ثور آخر في محل الوعل. فضحك السادن وقال لا حاجة بك أيها النطح أن تفعل ذلك لأننا قد عرضنا قضيتك على الملكة سمعون بوصفها الرئيسة الأعلى لسدانة الصنم، فقامت هي بتقديم الوعل والثور نيابة عنك؛ لأنها كانت قد تقصت حالتك ووجدتك صادقًا فيما قُلْتَهُ فأصبحْتَ في حلٍّ من النذر السابق. فصاح الشائب فرحًا.. يا آلهة السماء أغمري بنعمتك مليكتنا الصالحة سمعون، وذرفت عيناه الدموع، فشرق بدمعه ولم يقو على مواصلة الكلام ومسح الدموع المتحدرة على خدَّيْهِ براحة كفه الأيمن وانصرف يدق الأرض بعكازه حتى توارى عن الأنظار وهو يقول سأحضر نذري الجديد بكرة الغد بدون تأخير، ليبارك الصنم عوض مليكتنا الرحيمة سمعون. وتقدمت امرأة أخرى بناقتين منيحتين للصنم إذا عاد زوجها سالمًا من المعركة، وهو أحد المقاتلين في جيش سمعون.. وهكذا توالى مقدمو النذور، وتقدمت امرأة عليها سيما اليَسَار واسمها زهرة الربيع، وقالت للسادن: إنها نذرت للصنم بعشر نياق إذا انتصرت قضاعة على الأعداء كندة، ثم قالت نذرت للصنم بكسوة إذا عاد أولادي الأربعة من المعركة سالمين، وهم مقاتلون في جيش الملكة سمعون، وتقدمت امرأة اسمها شمعة بنت رقمان الجرمية القضاعية بناقتين منيحتين للصنم إذا انتصرت قضاعة على الأعداء كندة. وهكذا توالى مقدمو النذور لصنمهم عوض حتى آخر النهار.
ومرت الأيام وكانت أنباء المعارك بين قضاعة وكندة تأتي إلى الشحر مشوهة أحيانًا ومبتورة أحيانًا أخرى حتى كان أحد الأيام من نجم الذراع أي في المنتصف الثاني من شهر يناير حينما دق طبل الملكة سمعون بالشحر، فهرع الناس إليه وتجمعوا حوله، وكان لا يدق طبل الملكة إلا لنشر أخبار وطنية سارة. فأخبرهم الطبَّال أن أهالي المدينة مطلوبون بالحضور عصر اليوم إلى ساحة القصر. وفي عصر اليوم أعلنت الملكة سمعون على الحشد الكبير الذي تجمع حول قصرها المنيف نبأ النصر المؤزر الذي أحرزته قضاعة وحلفاؤها ضد كندة بأقل الخسائر في صفوف قضاعة وحلفائها، وبخسائر فادحة في جانب الأعداء كندة.. وفي صباح اليوم الثاني وهو ليلة طلوع البدر ليلة النصف من الشهر القمري، خرج معظم سكان مدينة الشحر إلى يمعوض تتقدمهم الملكة سمعون ورئيس وأعضاء مجلسها الاستشاري، فنحروا ذبائح النذور، فأكل الناس وشربوا هنيئًا مريئًا مستبشرين بالنصر، وفي العصر افتتحت الملكة سمعون مهرجان ألعاب الرقص الشعبي في عيبات للرجال وهي الزوامل والشروحات وغيرها. وعند بزوغ القمر خرجت البنات الأبكار في صفوف على ساحة الرقص ورحن يرقصن رقصات وثنية على الهبيش بعضهن نصف عاريات، والبعض منهن كاسيات وكن ينعشن وينوشن والفرح والسرور قد عم الجميع.
واستمرت الأفراح ثلاثة أيام بلياليها.. وفي صباح اليوم الرابع ذهبت عامة الناس في طواف حول حرم الصنم عوض، وكان من بينهم من يبكي رجاله الذين استشهدوا في المعركة، ومن بين الذين استشهدوا في المعركة الغاشم ورواس أخوا الملكة سمعون، وبينهم من كان مبتهجًا بعودة رجاله سالمين إليه، ومنهم من كانوا يرفعون أكفهم بالدعاء لآمال كانت تحاك في صدورهم ولم تحقق بعد، ومنهم وهم الأكثرية من الشباب كان قد استخفتهم فرحة النصر فكانوا سعداء بكل ما كان يدور حولهم من أنس وسرور. وفي عصر اليوم الخامس اجتمع الناس في ساحة قصر المنيف وتحدثت الملكة سمعون إلى الجماهير شارحة الحوادث التي مرت بالبلاد وكيف أن النصر كان حليفهم. وشكرت كل الحاضرين والغائبين وأشارت إلى التضامن القائم بين بني عليان وحلفائهم، وبما قدمه الشهداء من تضحيات في سبيل نصرة الوطن، وكذلك أخبرتهم باستشهاد أخويها الغاشم ورواس، ثم طلبت من الجميع أن ينصرفوا إلى أعمالهم العادية في اليوم التالي.
وظلت قضاعة وظلت الشحر في يدي آل عليان لحمًا ودمًا إلى أن استولى عليها المهرة.
ذلك من أمر قضاعة في الجاهلية.. ويحتم علينا الواجب التاريخي أن نذكر طرفًا مما كان لقضاعة في صدر الإسلام.
قضاعة في صدر الإسلام
لقد اعتنقت قضاعة الإسلام في العام العاشر من الهجرة، فكانت سندًا كبيرًا للإسلام، وكان منهم الصحابة والتابعون والقادة والمجاهدون في سبيل الله. ثم كانوا في طليعة الجيش الإسلامي الذي فتح مصر. ومن الجدير بالذكر أن تسعة وعشرين ألفًا من قضاعة كانوا هم الذين فتحوا مصر إلى جانب إخوتهم اليمنيين الآخرين، كما أنهم انفردوا بفتح الإسكندرية بعد أن طردوا الرومان منها، فكان عمرو بن العاص يقول معجبًا -وهو يشاهد شبان قضاعة تقتحم سور الإسكندرية على الروم-: يا لقضاعة إنها تَقْتُلُ ولا تُقْتَلُ.. ثم برز من قضاعة رجال أشاوس كانوا عماد جيوش الفتوح الإسلامية في شمال أفريقيا والأندلس.
وفي نظري أن أعظم شخصية قضاعية في القرن الأول الإسلامي كان سليمان سعد الخشمي القضاعي، الذي عرّب دواوين الدولة الإسلامية، أي أنه هو الذي جعل اللغة العربية اللغة الرسمية في الدواوين في العراق والشام ومصر، بعد أن كانت الفارسية لغة الدواوين الإسلامية في العراق. والسريانية لغة الدواوين الإسلامية في الشام. والقبطية لغة الدواوين الإسلامية في مصر.
إن هذه الخطوة الكبرى التي حققها سليمان سعد الخشمي القضاعي على عهد الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان بجعل اللغة العربية لغة الدواوين في مؤسسات الدولة الإسلامية كلِّها في العراق والشام ومصر، هذه الخطوة العظيمة كانت العامل الثاني بعد القرآن الكريم في نشر اللغة العربية في ربوع العالم الإسلامي آنذاك. وقد كافأ الخليفة عبدالملك بن مروان سليمان بن سعد الخشمي القضاعي بأن أعطاه خراج فلسطين لمدة سنة جزاء إنجازه تعريب الدواوين الإسلامية في مدة لا تتجاوز ثلاث سنين.
ذلك جزء بسيط جدًّا من تاريخ الشحر القديم. إنها حقائق تاريخية ممزوجة بالأسطورة التي لا بد وأنها كانت حقيقة تاريخية في يوم من الأيام، ثم أصبحت مع تقادم الزمن وكأنها أحدوثة مفتعلة ليس لها ما يسندها من دليل إلا أن الابن ينقلها عن الأب، والأب ينقلها عن الجد إلى أن وصلت إلينا أخبارهم أو الصورة التي رويناها لكم هنا…
__________________
* محاضرة للكاتب عن ملكة الشحر القضاعية (سمعون).