تخطَّ إلى المحتوى
مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتراث والنشر

في التَّصْحِيحِ اللُّغَوِيِّ  (اشْـتَهَرَ/  اشْـتُهِرَ)

لغويات

أ.د. عبدالله صالح بابعير

هذه المقالة منشورة في مجلة حضرموت الثقافية العدد 13

أستاذ النحو والصَّرْف، بقسم اللغة العربية

كلية الآداب، جامعة حضرموت


المرجع : مجلة حضرموت الثقافية .. العدد 13 .. ص 107

رابط العدد 13 : اضغط هنا


        ذكر صلاح الدين زعبلاوي في كتابه (معجم أخطاء الكُتَّاب) أنه »يُشْكِلُ على الكُتَّابِ قولُهم: (اشتهر فلانٌ) أَهُوَ بفَتْح التاء والهاء في (اشتهر)، والفعلُ لازمٌ؟ أمْ هو بضَمِّ التاء وكَسْرِ الهاء، بالبناءِ للمجهول، والفعلُ متعدٍّ؟«([1])، وقد ذكر عددٌ من المشتغِلين بالتصحيحِ اللغويِّ حديثًا أنَّ هناك مَنْ يَعُدُّ استعمالَ الفعل (اشْتُهِرَ) بالبناء للمفعول من الأخطاء اللغوية الشائعة، في حينِ يَعُدُّه آخَرونَ صحيحًا. يقولُ محمد العدناني: ويُخَطِّئُونَ مَنْ يقولُ: (اشْتُهِرَ تمتمٌ بِالتُّقَى)، ويقولون: إنَّ الصوابَ هو: (اشْتَهَرَ تمتمٌ بِالتُّقَى)؛ لأنَّ المدَّ، ومحيطَ المحيط، ودوزي، وأقربَ الموارد لم يذكروا إلَّا الفعلَ اشتَهَرَ بِكَذا. ولكنْ: ذَكَرَ الأساسُ والوسيطُ الفعلينِ (اشْتَهَرَ بكذا) و(اشْتُهِرَ بكذا) كِلَيْهِما، كما ذُكِرَ في عددٍ من مُعْجَماتِ اللغة، كالصِّحاح، والأساس، واللسان، والتاج أن الفعل (اشْتَهَرَ) قد يأتي لازمًا ومتعدِّيًا، والأفعالُ المتعديةُ تُبْنَى (للمفعول) للمجهول، دون أن تُضْطَرَّ المُعْجَماتُ إلى ذِكْرِ ذلك، ولو شَذَّ الفعلُ المتعدي (اشْتَهَرَ) لَذَكَرَتْ كتبُ اللغةِ ذلك([2]). وذكر أحمد مختار عمر أن استعمالَ الفعل (اشْتُهِرَ) بالبناء للمفعول، في مثلَ قولهم: (اشْتُهِرَتِ المدينةُ بصناعةِ النسيجِ) مرفوضٌ عند بعضِ المشتغِلين بالتصحيح اللغوي، ولكنَّه يرى أن هذا الاستعمالَ جائزٌ، كما جازَ استعمالُه بالبناء للفاعل (للمعلوم) في نحو قولهم: (اشْتَهَرَتِ المدينةُ بصناعةِ النسيجِ)، فَكِلا الاستعمالينِ صحيحانِ عنده؛ وذلك أن عددًا من مُعْجَماتِ اللغة نَصَّتْ على أن الفعل (اشْتَهَرَ) يأتي لازمًا ومتعديًا. وإلى مثل ذلك ذهب صلاح الدين زعبلاوي([3]).

   إنَّ الذين أجازوا استعمالَ الفعل (اشْتُهِرَ) بالبناء للمفعول (للمجهول) اعتمدوا في إجازتهم هذا الاستعمالَ على دليلينِ:

أوَّلُهما: تصريحُ الزمخشريِّ في معجمه (أساس البلاغة) بالفعل على هذه الصيغة، فيقول: »شُهِرَ بِكَذا، واشْتَهَرَ بِه، واشْتُهِرَ، وشَهَرَهُ، وشَهَّرَهُ، فهو مَشْهُورٌ، وشَهِيرٌ، ومُشْتَهَرٌ«([4])، ولم أقِفْ على أي معجَمٍ آخرَ من معجمات اللغة القديمة جاء فيه التصريحُ باستعمال الفعل مبنيًّا للمفعول. وفي المعجمات الحديثة وجدتُ ذلك في (المعجم الوسيط)، وفيه: »ويُقالُ: اشْتَهَرَ بِكَذا، واشْتُهِرَ بِه«([5]).

والآخَرُ: تصريحُ عددٍ من مُعْجَماتِ اللغة القديمة والحديثة، كالصحاح، وأساس البلاغة، ومختار الصحاح، ولسان العرب، وتاج العروس، ومحيط المحيط، وأقرب الموارد، ومتن اللغة، والمعجم الوسيط، بأنَّ الفعل (اشْتَهَرَ) قد يأتي لازمًا ومتعدِّيًا، والأفعالُ المتعديةُ تُبْنَى (للمفعول)، دون أن تُضْطَرَّ المُعْجَماتُ إلى ذِكْرِ ذلك([6]).

    وفي تقديري أنَّ استعمالَ الفعل (اشْتُهِرَ) بالبناء للمفعول، لا يَجْرِي على المطَّرد في دلالةِ الصِّيغَة التي جاء هذا الفعلُ مَصُوغًا عليها. فهذا الفعلُ آتٍ في الأصل على صيغةِ (افْتَعَلَ)، وهي من صِيَغِ مَزِيدِ الثُّلاثِيِّ (فَعَلَ). ومن أَشْهَرِ معاني هذه الصيغةِ معنى (المُطاوَعَة)، أيِ: المُوافَقَة. فيُقالُ: (شَهَرْتُ الأمْرَ، فَاشْتَهَرَ) أيْ: وَضَحَ. وهذا المعنى هو أشهَرُ معاني هذه الصيغة، فيأتي عليها الفعلُ مُطاوَعًا من (فَعَلَ) المتعدِّي كثيرًا، نحو: (نَصَرْتُه فَانْتَصَرَ، نَفَعْتُهُ فَانْتَفَعَ، نَقَلْتُهُ فانْتَقَلَ، غَمَمْتُهُ فَاغْتَمَّ، جَمَعْتُ الإبِلَ فَاجْتَمَعَتْ، لَأَمْتُ الجُرْحَ فَالْتَأَمَ، رَمَيْتُ الكُرَةَ فَارْتَمَتْ، وَصَلْتُ الحبلَ فَاتَّصَلَ، مَلَأْتُ الدَّلْوَ فَامْتَلَأَ)، كما يأتي مُطاوَعًا من (فَعَّلَ) المُضَعَّفِ العينِ قليلًا، نحو: (قَرَّبْتُ الشَّيْءَ فَاقْتَرَبَ، وسَوَّيْتُهُ فَاسْتَوَى).

    وبملاحظةِ سياقاتِ الأفعالِ المذكورةِ آنفًا نرى الفعلَ المُطاوَعَ الآتيَ على هذه الصيغة فعلًا لازِمًا، والمُطاوَعُ منه متعدٍّ إلى مفعولٍ واحدٍ؛ وذلك أنَّ الفعلَ المطاوَعَ -على أيِّ صيغةٍ من صِيَغِ المطاوَعَةِ جاءَ- يَقِلُّ درجةً في التعديةِ عن الفعلِ الذي طُوْوِعَ منه، فالأمثلةُ المذكورةُ آنفًا كلُّها لأفعالٍ لازمةٍ، طُووِعَتْ من أفعالٍ متعديةٍ لواحدٍ، فإذا كان الفعلُ متعدِّيًا لاثنينِ، صارَ مُطاوَعُهُ متعدِّيًا لواحدٍ، كأنْ تقولَ: (عَلَّمْـتُهُ الحِسابَ، فَتَعَـلَّمَهُ).

    فإذا كان الأمرُ على هذا النحوِ أدرَكْنا أنَّ الفعل (اشْتَهَرَ) فعلٌ لازمٌ، وهو مُطاوَعٌ من المتعدِّي لمفعولٍ واحدٍ: (شَهَرْتُهُ، فَاشْتَهَرَ)، والفعلُ اللازمُ لا يُصاغُ منه اسمُ مفعولٍ تامٌّ، لِذا لا يُبْنَى، في الأصلِ، من هذا الفعلِ المُطاوَعِ فعلٌ مبنِيٌّ للمفعول. فالأفعال المُطاوَعَة المذكورةُ آنفًا: (انْتَصَرَ، انْتَفَعَ، انْتَقَلَ، اغْتَمَّ، اجْتَمَعَ، الْتَأَمَ، ارْتَمَى، اتَّصَلَ، امْتَلَأَ) لا يُصاغُ منها المبنيُّ للمفعولِ التامُّ، وكذا الفعلُ (اشْتَهَرَ)، يكون قياسُه ألَّا يُصاغَ منه فعلٌ مبنيٌّ للمفعول؛ لِما ذكرنا آنفًا من كَوْنِه فعلًا لازِمًا، يُزادُ على ذلك أنَّ الفعلَ المُطاوَعَ اللازمَ يحملُ في دلالتِه معنى (الفعل المبنيِّ للمفعول). فقولُنا: (شَهَرْتُهُ)، وهو المُطاوَعُ منه، يدلُّ على أنَّني أنا الفاعلُ، وهو المفعولُ، فأنا الشَّاهِرُ لَه، وهو المشهورُ، والمُطاوَعُ (اشْتَهَرَ) بمعنى (شُهِرَ)، والوصفُ منه (مُشْتَهِر) اسمُ فاعلٍ، ولكنَّه يحمل دلالةَ اسم المفعول بالمُطاوَعَة، أيْ: (مَشْهُور)، وكذا كلُّ صِيَغِ المُطاوَعِ اللازم. فالمُنتصِر بمعنى المنصور، والمُمْتَلِئ بمعنى المَمْلُوء، والمُنْكَسِر والمُنْفَتِحُ (على صِيغةِ مُنْفَعِل) بمعنى المَكْسُورِ والمَفْتُوح، وهكذا دَوَالَيْكَ.

     ولكنَّا نجد أنَّ الفعلَ المبنيَّ للمفعول (اشْتُهِرَ بِهِ) قد ذُكِرَ في (أساس البلاغة) كما نقَلْنا آنفًا، وأنَّ بعضَ مُعْجَماتِ اللغة قد ذكر استعمالَ الفعلِ المَزيد (اشْتَهَرَ) لازمًا ومتعدِّيًا، فقالوا: (شَهَرَهُ، وَاشْتَهَرَهُ)، فإذا ثَبَتَ هذا الاستعمالُ جازَ، قياسًا، بناءُ الفعل (اشْتَهَرَهُ) للمفعول، فيُقالُ: (اشْتُهِرَ بِكَذا). وهُنا أودُّ الإشارةَ إلى الآتي:

  1. إنَّ ذِكْرَ الفعل مبنيًّا للمفعول في (أساس البلاغة) لم يتكرر في معجمٍ آخرَ من معجمات اللغة التي أخذَتْ عن الأساس، أو جاءت بعدَه، بحسب علمي، ولم يكن ذلك مشفوعًا بشاهدٍ يقوِّيه.
  2. جاء في معجمات اللغة أنَّ الفعلَ المتعديَ من هذه المادة جاء على صيغتينِ مشهورتينِ: (فَعَلَ، وفَعَّلَ) بتخفيفِ العَيْنِ وتَضعيفِها. ففي الصِّحَاح: »شَهَرْتُ الأَمْرَ أَشْهَرُهُ شَهْرًا وَشُهْرَةً، فَاشْتَهَرَ، أيْ: وَضَحَ. وكَذلِكَ شَهَّرْتُهُ تَشْهِيْرًا«([7]). وقد صَرَّحَ الفيُّوميُّ في (المِصباح المُنير) بأنَّ المتعدِّيَ بالهمزة (أَشْهَرَهُ) لم يُنْقَلْ عن العرب، فيقول: »وَشَهَرْتُ زَيْدًا بِكَذَا، وَشَهَّرْتُهُ بِالتَّشْدِيدِ مُبَالَغَةٌ. وَأَمَّا أَشْهَرْتُهُ، بِالْأَلِفِ، بِمَعْنَى شَهَّرْتُهُ فَغَيْرُ مَنْقُولٍ. وَشَهَرْتُهُ بَيْنَ النَّاسِ: أَبْرَزْتُهُ، وَشَهَرْتُ الحَدِيثَ شَهْرًا وَشُهْرَةً: أَفْشَيْتُهُ، فَاشْتَهَرَ«([8]) .
  3. ذُكِرَ في بعضِ المُعْجَماتِ الفعلُ (اشْتَهَرَهُ) المتعدِّي، الآتي على صيغةِ الافتِعالِ، ففي المُحْكَمِ، لابنِ سِيْدَه: »الشُّهْرَةُ: ظُهُورُ الشَّيْءِ فِي شُنْعَةٍ. شَهَرَهُ يَشْهَرُهُ شَهْرًا. وَشَهَّرَهُ، وَاشْتَهَرَهُ، فَاشْتَهَرَ«([9])، فقد ضُبِطَ الفعلُ (اشْتَهَرَ) مُطاوَعًا من الأفعالِ الثلاثة المتعديةِ: (شَهَرَهُ، وشَهَّرَهُ، واشْتَهَرَهُ)، فالأولُ هو الأشهَرُ في الاستعمال، والثاني (المُضَعَّف) جاء التضعيفُ فيه للمبالغة، كما نقلْنا عن الفيُّومي في (المصباح المنير)، ومثلُه في المبالغة (كَسَرَه، وكَسَّرَه)، أمَّا الثالثُ (اشْتَهَرَهُ) فهو موضعُ النظرِ هنا. فقد جعله الزمخشريُّ في الأساس من المجاز، وجعل له معنًى خاصًّا ليس هو المُرادَ من سياقات العبارات المستعملة اليوم في عبارات الكاتبين، فيقول: »ومن المجاز: اشتهَرْتُ فُلانًا: اسْتَخْفَفْتُ بِه، وفَضَحْتُهُ، وجَعَلْتُه شُهْرَةً«([10])، وفي الصِّحاح: »ولِفُلانٍ فَضِيلةٌ اشْتَهَرَها النَّاسُ«([11])، وفي (تاج العروس) جاء ذِكْرُ استعمال الفعل (اشْتَهَرَه) متعدِّيًا، ولكنْ ليس بالمعنى المجازيِّ الذي ذكره الزمخشري، وفيه: »الشُّهْرَةُ: وُضُوحُ الأَمْرِ. وَقَدْ شَهَرَهُ، كمَنَعَهُ، يَشْهَرُهُ شَهْرًا. وشَهَّرَهُ تَشْهِيرًا، فَاشْتَهَرَ، وشَهَّرَهُ تَشْهِيرًا. واشْتَهَرَهُ، فاشْتَهَرَ، أَيْ: يُسْتَعْمَلُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، وَهُوَ صَحِيحٌ«([12])، ولكنَّ صاحب التاج حين ذكر المعنى المجازي الذي جعله الزمخشريُّ للفعل (اشْتَهَرَهُ) المتعدي، جعله لفعلٍ آخرَ هو المهموزُ (أَشْهَرَه) الذي نقَلْنا عن الفيُّوميِّ في (المصباح المنير) آنفًا أنه لم يُنْقَلْ عن العرب. يقول صاحبُ التاج: »وَمِنَ المَجاز: أَشْهَرْت فُلانًا: اسْتَخْفَفْتُ بِهِ، وفَضَحْتُه، وجَعَلْتُهُ شُهْرَةً«([13]) .
  4. أربابُ المعجمات الذين يذكرونَ الفعلَ المزيدَ المتعدِّيَ (اشْتَهَرَهُ) يستشهدونَ له ببيتٍ من الشعر، يُسوِّغون به ورودَ هذا الفعل، ولم أجد لهم شاهدًا غيرَه، والبيتُ هو:

أُحِبُّ هُبُوطَ الوَادِيَيْنِ وَإِنَّنِي                       لَـمُشْتَهَرٌ بالوَادِيَيْنِ غَرِيبُ

وفيه الوصفُ (مُشْتَهَرٌ) على صيغةِ اسمِ المفعول، فإذا صَحَّ ذلك الوصفُ ففِعْلُهُ (اشْتُهِرَ) قياسًا، كالمُنْتَخَبِ والمُفْتَتَحِ، مِن (انْتُخِبَ، وافْتُتِحَ). ولكنْ هل ثَبَتَ لفظُ (مُشْتَهَر) بصيغةِ اسمِ المفعول في هذا البيت، في المصادر التي أورَدَتْهُ:

4/ 1: لم يَرِدِ البيتُ منسوبًا في أيِّ مُعْجَمٍ من المُعْجَماتِ التي أوْرَدَتْهُ شاهِدًا على استعمالِ (اشْتَهَرَهُ) المتعدِّي، على حَدِّ علمي.

4/ 2: المُعْجَماتِ التي أوْرَدَتْ هذا البيتَ شاهِدًا على استعمالِ (اشْتَهَرَهُ) المتعدِّي، جاء فيها بعد إيراد هذا البيت: (وَيُرْوَى لَمُشْتَهِر، بِكَسْرِ الْهَاءِ) وعلى هذه الروايةِ يسقطُ الاستدلالُ بهذا البيتِ على استعمالِ (اشْتَهَرَهُ) المتعدِّي.

4/ 3: هذا البيتُ مُخْتَلَفٌ في نِسْبَتِهِ، وفي الكلمةِ التي هي موضعُ الاستشهاد:

4/ 3/ 1: ورد هذا البيتُ في (أمالي الزجَّاجي) منسوبًا إلى (ابن الدُّمَيْنَةِ) في قصيدةٍ ذكر سندَها بقوله: »أنشدَنا أبو الحسن، عليُّ بنُ سليمانَ الأخفش، قال: أنشدَنا أبو العباس، أحمدُ بنُ يحيى تعلب، قال: أنشدَنا ابنُ الأعرابيِّ لابنِ الدُّمَيْنَةِ …«([14])، ثم جاء البيتُ المذكورُ آنفًا في هذه القصيدة مضبوطًا موضعُ الشاهد فيه بكَسْرِ الهاء (لَمُشْـتَهِـرٌ) على صيغةِ اسم الفاعل، لا المفعول.

4/ 3/ 2: ورد هذا البيتُ في (شرح ديوان الحماسة، للمرزوقي) منسوبًا إلى (ابن الدُّمَيْنَة)([15])، ولم يذكر المرزوقي شيئًا في ضبط الهاء من هذا اللفظ (لَـمُشْتَهرٌ) ولا في معناه.

4/ 3/ 3: البيتُ غيرُ موجودٍ بهذا اللفظِ في ديوان (ابن الدُّمَيْنَة) بتحقيق (أحمد راتب النفاخ)، لا في القسم الذي هو مِنْ صَنْعَةِ أبي العباسِ ثَعْلَبٍ، ولا في القسمِ الثاني الذي هو من صَنْعَةِ أبي جعفرٍ محمدِ بنِ حَبِيبٍ، ولا في زياداتِ الديوان أيضًا. وإنما هو موجودٌ في هذا الديوانِ، بروايةٍ أخرى يسقطُ بها الاستشهادُ على هذه المسألة، وهي:

أُحِبُّ هُبُوطَ الوَادِيَيْنِ وَإِنَّنِي                       لَمُسْتَهْتَــرٌ بالوَادِيَيْنِ غَرِيبُ([16])

4/ 3/ 4: ورد البيتُ منسوبًا إلى مجنون ليلى في ديوانه، بروايةِ:

أُحِبُّ هُبُوطَ الوَادِيَيْنِ وَإِنَّنِي                       لَـمُشْتَهِرٌ بالوَادِيَيْنِ غَرِيبُ([17])

بكَسْرِ الهاءِ من (مُشْتَهِر) بصيغةِ اسمِ الفاعل، وهذه هي الروايةُ الأخرى للبيت، التي أشار إليها أربابُ المعجمات الذين نقلْنا هذا الشاهدَ عنهم، وهي الجاريةُ على المطَّرِد في صَوْغِ هذه الصفة، من الفعل المُطاوَع المبنيِّ للفاعل (اشْتَهَرَ)، كما ذكرْنا آنفًا.

    والبيتُ في النسخة الأخرى من ديوان مجنون ليلى (ديوان أشعار مجنون بني عامر مع بعض أحواله)، بروايةِ:

أُحِبُّ هُبُوطَ الوَادِيَيْنِ وَإِنَّنِي                       لَمُسْتَهْتَــرٌ بالوَادِيَيْنِ غَرِيبُ([18])

وهي الروايةُ نفسُها المنسوبةُ لابن الدمينة، في ديوانه، التي أشَرْنا إليها آنفًا.

4/ 3/ 5: وَرَدَ البيتُ في (معجم البلدان)، منسوبًا إلى (مَالِكِ بنِ الصَّمْصَامَةِ الجَعْدِيِّ) بروايةِ:

أُحِبُّ هُبُوطَ الوَادِيَيْنِ وَإِنَّنِي                       لَمُسْتَهْتــرٌ بالوَادِيَيْنِ غَرِيبُ([19])

من غيرِ ضَبْطٍ للتاء في (مُسْتَهْــتر).

في حين وَرَدَ هذا البيتُ في (مُعْجَم البُلْدان) مرةً أخرى، منسوبًا إلى أعرابيٍّ، وقِيْلَ: إلى مجنون ليلى، بروايةِ:

أُحِبُّ هُبُوطَ الوَادِيَيْنِ وَإِنَّنِي                       لَمُسْـتَهْـزَأٌ بالوَادِيَيْنِ غَرِيبُ([20])

ووردَ أيضًا في (مُعْجَم البُلْدان) مرةً ثالثةً منسوبًا بالروايةِ الأخيرةِ نفسِها (لَمُسْـتَهْـزَأٌ) إلى مجنون ليلى([21]).

  • ورد اللفظُ (مُشْتَهَر) المُسْتَشْهَدُ به على صِحَّةِ استعمال الفعل المبني للمفعول (اشْتُهِرَ) في شاهِدَيْنِ آخَرَيْنِ من مشطور الرجز للعجَّاج:

5/ 1: أوَّلُهُما قولُه:

وَاشْتَغَرُوا فِي دِيْنِهِمْ حَتَّى اشْتَغَرْ

فَقَدْ تَكَبَّدْتَ المُنِاخَ المُشْتَــهَرْ ([22])

وفي شرح الأصمعي لديوان العجاج، جاء قولُه في شرح معنى البيت: »والمعنى أنه يقولُ له: إنك قد نزلتَ وسطَ المُناخِ الذي شُـهِرْتَ بِه، فانظُرْ ما يَلِيكَ … يقول: نزلتَ بالمكان الذي يَشْتَهِرُكَ الناسُ فيه، فانظُرْ كيف تصنعُ؟ قال: والمُشْتَـهَرُ: هو المَنْزِلُ الذي يَشْهَرُكَ الناسُ فيه«([23]). فقد جاء في عبارة الأصمعي الفعلانِ (يَشْهَرُكَ، يَشْتَهِرُكَ) متعدِّيَيْنِ بمعنًى واحد، ثم جعل (المُشْتَهَر) اسمًا للمكان، ومعلومٌ أن اسمَ المكان من فوق الثلاثيِّ يُصاغُ على زِنَةِ اسمِ المفعول من فوقِ الثلاثيِّ.

5/ 2: والآخَرُ قولُه:

وَكَمْ قَتَلْـنَا مِنْ قَتِيْلٍ مُشْتَـهَرْ

شَافِي الأُحَاحِ أَوْ بَعِيْدِ المُشْتَـغَرْ([24])

وفي شرح الأصمعي: »قولُه (مُشْتَهَر): مَعْرُوفٌ«([25]) ففسَّرَ اسمَ المفعول من الرباعي (مُشْتَهَر) باسمِ المفعول من الثلاثي (مَعْرُوف).

      يتَّضِحُ من العرض السابق أن الفعل (اشْتهر) قد ورد في استعمالِه صورتانِ:

  1. البناءُ للفاعل (للمعلوم) فنقول: (اشْتَهَرَ فُلانٌ بِكَذا) وهذه الصورةُ هي الجاريةُ على المُطَّرِدِ في استعمالِ الفعل المُطاوَعِ منَ الثلاثيِّ المجرَّدِ (شَهَرْتُهُ فَاشْتَهَرَ)، كما تقولُ: (نَصَرْتُه فَانْتَصَرَ، نَفَعْتُهُ فَانْتَفَعَ، نَقَلْتُهُ فانْتَقَلَ، غَمَمْتُهُ فَاغْتَمَّ، جَمَعْتُ الإبِلَ فَاجْتَمَعَتْ، لَأَمْتُ الجُرْحَ فَالْتَأَمَ، رَمَيْتُ الكُرَةَ فَارْتَمَتْ، وَصَلْتُ الحبلَ فَاتَّصَلَ، مَلَأْتُ الدَّلْوَ فَامْتَلَأَ). والوصفُ منه (مَشْهُورٌ، ومُشْتَهِرٌ).
  2. البناءُ للمفعول (للمجهول)، فتقول: (اشْتُهِرَ فُلانٌ بِكَذا)، والوصفُ منه (مُشْتَهَرٌ)؛ استنادًا إلى المسموعِ من قولِ العجَّاج، وما أورَدَه الأصمعيُّ في أثناءِ شَرْحِه لمعنى (مُشْتَهَر) في سياق الشاهدَيْنِ. وكذا إلى البيتِ المُخْتَلَفِ في نِسْبَتِه، وفي ضَبْطِ موضعِ الشاهدِ فيه، الذي استُشْهِدَ به في بعض المعجمات، وما ذكره بعضُ أربابُ المُعْجَماتِ منِ استعمالٍ للفعل (اشْتُهِرَ) مبنِيًّا للمفعول، وللوصفِ منه (مُشْتَهَر).

الخُلاصةُ:

إذا أردتَ أن يَجْرِيَ لِسانُكَ على المُطَّرِدِ في السَّماع، الجاري على القياس، فَقُلِ: (اشْتَهَرَ فُلانٌ بِكذا)، بالبناءِ للفاعل (للمعلوم)، فهو (مَشْهُورٌ، وَمُشْتَهِرٌ بِه).

وإذا أردتَ أن تَجْنَحَ إلى المَسْمُوعِ الشَّاذِّ، غَيْرِ الجاري على القياس، فَيَجوزُ لك أن تقول: (اشْتُهَرَ فُلانٌ بِكذا)، بالبناء للمفعول (للمجهول)، فهو (مُشْتَهَرٌ بِه).

    واللهُ أعْلَمُ وأحْكَمُ.

المصادر والمراجع:

  • أساس البلاغة، جار الله أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (ت 538هـ)، تحقيق: عبدالرحيم محمود، بيروت: دار المعرفة، 1402هـ/ 1982م.
  • أمالي الزجاجي، أبو القاسم عبدالرحمن بن إسحاق الزجاجي (ت 340هـ)، تحقيق: عبدالسلام هارون، بيروت: دار الجيل، ط2، 1407هـ/ 1987م.
  • تاج العروس من جواهر القاموس، محمد مرتضى الحسيني الزَّبيدي (ت 1205هـ)، ج12، تحقيق: مصطفى حجازي، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1393هـ/ 1973م.
  • ديوان ابن الدمينة، تحقيق: أحمد راتب النفاخ، القاهرة، مكتبة دار العروبة ــــ مطبعة المدني، 1379هـ.
  • ديوان أشعار مجنون بني عامر مع بعض أحواله، رواية أبي بكر الوالبي، تحقيق: هدى وائل عامر، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، عمَّان: دار الفارس للنشر والتوزيع، ط1، 2011م.
  • ديوان عبدالله بن الدُّمَيْنَة، شرح وضَبْط: السيد محمد الهاشمي، مطبعة المنار بمصر، ط1، 1337هـ/ 1918م ـــ طبعة مصححة على النسخة الشنقيطية المحفوظة في دار الكتب السلطانية.
  • ديوان العجاج، رواية عبدالملك بن قريب الأصمعي وشرحه، تحقيق: عبدالحفيظ السطلي، دمشق: مكتبة أطلس، 1971م.
  • ديوان مجنون ليلى، تحقيق: عبدالستار أحمد فراج، مكتبة مصر، 1979م.
  • شرح ديوان الحماسة، أبو علي أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي (ت 421هـ)، نشرَه: أحمد أمين وعبدالسلام هارون، بيروت: دار الجيل، ط1، 1991م.
  • الصحاح (تاج اللغة وصحاح العربية)، إسماعيل بن حماد الجوهري (ت 393هـ)، تحقيق: أحمد عبدالغفور عطار، بيروت: دار العلم للملايين، 1399هـ/ 1979م.
  • المحكم والمحيط الأعظم، أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سِيْدَه (ت 458هـ)، تحقيق: عبدالحميد هنداوي، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1421هـ/ 2000م.
  • المصباح المنير، أحمد بن محمد بن علي الفيومي (ت 770هـ)، بيروت: مكتبة لبنان، 1987م.
  • معجم أخطاء الكُتَّاب، صلاح الدين زعبلاوي، دمشق: دار الثقافة والتراث، ط1، 1427هـ/ 2006م.
  • معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة، محمد العدناني، بيروت: مكتبة لبنان، ط1، 1984م.
  • معجم البلدان، ياقوت الحموي (ت 626هـ)، بيروت: دار صادر، 1397هـ/ 1977م.
  • المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، ط4، 1425هـ/ 2004م.

([1]) معجم أخطاء الكتاب، ص322.  

([2]) ينظر: معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة، ص357.   

([3]) ينظر: معجم أخطاء الكتَّاب، ص322.    

([4]) أساس البلاغة، ص243.   

([5]) المعجم الوسيط، ص498.   

([6]) ينظر: معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة، ص357.   

([7]) الصحاح (شهر)، 2/ 705.   

([8]) المصباح المنير، ص124.   

([9]) المحكم والمحيط الأعظم، 5/ 184.    

([10]) أساس البلاغة، ص243.     

([11]) الصحاح (شهر)، 2/ 705.     

([12]) تاج العروس (شهر)، 12/ 262.     

([13]) السابق (شهر)، 12/ 266.     

([14]) أمالي الزجاجي، ص154.      

([15]) ينظر: شرح ديوان الحماسة، ص1364.      

([16]) ديوان ابن الدمينة، ص103. وهذه الروايةُ نفسُها (لَمُسْتَهْتَــرٌ) في طبعة (ديوان عبدالله بن الدُّمَيْنَة)، بشرح وضَبْط: السيد محمد الهاشمي، ص9.

([17]) ديوان مجنون ليلى، ص42.

([18]) ديوان أشعار مجنون بني عامر مع بعض أحواله، ص81.

([19]) معجم البلدان، 4/ 335.

([20]) معجم البلدان، 5/ 240.

([21])  ينظر: معجم البلدان، 5/ 346.  

([22]) ديوان العجاج، ص71.

([23]) المصدر السابق، ص72.

([24])  المصدر السابق، ص105.

([25])  المصدر نفسه.

هذه المقالة منشورة في مجلة حضرموت الثقافية العدد 13