الشيخِ أحمد مُحمَّد باجنيد .. صاحب القيم التي لا تموت .. (بمناسبة الذكرى الرابعة لوفاته في 20 يناير 2017م رحمه الله)
شخصيات
هذه المقالة منشورة في مجلة حضرموت الثقافية العدد 19


أفذاذُ الرِّجالِ لا يموتونَ إلَّا إذا ماتَ الحبُّ والوفاءُ، وماتتِ المروءةُ وماتتِ المكارمُ في النَّاسِ! أصحاب القيم والمبادئ لا يموتونَ إلا اذا كانت القيم والمبادئ تموت .. يموتُ فقَطْ مَن يعيشُ لنفسِهِ، أمَّا مَن يعيشُ للنَّاسِ فهو لا يموتُ، إلَّا إذا كان النَّاسُ جميعًا يموتونَ معًا في لحظةٍ واحدةٍ ! .. صُنَّاع المعروف لا يموتونَ! .. ومَنْ يَعِشْ للنَّاسِ يعشْ حيًّا في قلوبِهم.. مَنْ يعشْ للنَّاسِ لا يموت؛ لأنه يعيش في ذاكرة كل واحد منهم ووجدانه، فيكون أكثر بقاءً منهم جميعًا.
لقد عاش أحمد محمد باجنيد مع الناس وللناس وفي الناس بالـحُبِّ والتَّسامُحِ والمودَّةِ والعطاءِ دونَ انتظارِ مقابِلٍ منهم لا يُريدُ منهم جزاءً ولا شكورًا.

المرجع : مجلة حضرموت الثقافية .. العدد 19 .. ص 27
رابط العدد 19 : اضغط هنا
شجرة الحب التي تمشي على قدمين:
فمَنْ قال إذًا: إنَّ أحمد مُحمَّد باجنيد (1358- 1438هـ) قد ماتَ؟! .. أحمد مُحمَّد باجنيد أطولُ عُمُرًا مِن الكثيرينَ؛ لأنه لم يَعِشْ حياتَه لنفسِه وحدَها، ولا لأولادِه وحدَهم، ولا لأُسرتِه وحدَها.. عاشَ أحمد مُحمَّد باجنيد حياتَه يزرعُ الـحُبَّ في قلوبِ النَّاسِ، ويَسقِي الزَّرعَ الذَّابلَ في حدائقِ حياتِهم.
كانَ أحمد مُحمَّد باجنيد شجرةَ حُبٍّ تمشي على قدَمَينِ، أوراقُها المودَّةُ التي تتساقَطُ على النَّاسِ فتخضَرُّ قلوبُهم.. قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (أفضَلُ الأعمالِ بعدَ الإيمانِ باللهِ التَّودُّدُ إلى النَّاسِ).
عاشَ أحمد مُحمَّد باجنيد يزُورُ البعيدَ قبْلَ القريبِ، ويتودَّدُ للصَّغيرِ والكبيرِ، لا يترُكُ لأحدٍ واجبًا في فرَحٍ أو ترَحٍ، يُبادرُ إلى الخيراتِ دونَ انتظارِ دعوةٍ،ويَصِلُ القاطعَ.. عاشَ أحمد مُحمَّد باجنيد يلتمِسُ العُذْرَ للمُقصِّرِ، يصفَحُ عن الـمُسيءِ، لم يحمِلْ في قلبِه ذرَّةَ كراهيَةٍ لإنسانٍ أخطأَ في حقِّه أوِ اختَلَفَ معه في الرَّأيِ.

عطر أول لقاء معه:
عرَفْتُ أحمد مُحمَّد باجنيد على مدى سبعة وعِشرينَ عامًا (1990- 2017م)، فكانَ مساحةً خضراءَ في حياتي، لا ينبُتُ فيها إلا الوَرْدُ، ولا يفُوحُ منها إلا العِطْرُ.. رأيته لأول مرة في ندوة الأديب الكبير الشيخ عبدالعزيز الرفاعي – رحمه الله – التي كانت تُقام في منزله بالرياض، وكنتُ حديثَ عهدٍ بالرياض وبالناس فيها، ولكن كانت تربطني علاقة وطيدة بأستاذين من كبار رجال اليمن ومن زعمائها، هما السيد إبراهيم بن علي الوزير، والسياسي المخضرم الشاعر أحمد محمد الشامي رحمهم الله جميعًا. وكنتُ في ليلة الأربعاء أزور السيد الشامي في الفندق الذي يقيم فيه، فقال لي: إنه ذاهب إلى ندوة الرفاعي الخميسَ مع السيد إبراهيم الوزير الذي صادف وجوده بالرياض، واقترح علي أن أكون معهما، فقبلتُ الدَّعوةَ. وأعتقد أن ذلك كان في شهر فبراير سنة 1990م.
ذهبت معهما وحضرت الندوة وفي نهايتها، وقف رجل وقور سمح الوجه يدعو الحضور جميعًا إلى طعام العشاء في بيته يوم السبت. وأعتقد أن المناسبة كانت احتفاء بالشامي والوزير، اللذين كانت تربطه بهما صداقة ومحبة. وعرفت من لهجة الرجل أنه حضرمي. وقال لي الشامي: إنه الشيخ أحمد محمد باجنيد، من وجهاء الحضارم في الرياض، صديق ومحب للعلماء وأهل الفكر والثقافة. ولم أذهب للدعوة العامة إلى بيته – وليتني ذهبت -، وفي الأسبوع التالي دعوت السيِّـدَينِ أحمد الشامي وإبراهيم الوزير إلى طعام الغذاء في بيتي مع لفيف ممَّن أعرف من رجال الثقافة والأعمال في الرياض، ولم يخطر ببالي أن أدعو الشيخ أحمد محمد باجنيد الذي لم أره إلا مرة واحدة. وبعد صلاة ظهر ذلك اليوم فوجئت بطارق على بابي فظننت أنه أحد المدعوِّين جاء مبكِّرًا، فخرجت وفتحت الباب، فإذا بي أرى أمامي الشيخ أحمد محمد باجنيد يحيِّيني بابتسامته المضيئة التي يشرق بها وجهه كله، فقال لي والابتسامة لم تفارقه: “لا تعجبْ يا دكتور محمد من مجيئي إلى بيتك دون دعوة أو سابق معرفة، فأنت ابننا وأخونا، وجديد على الرياض، والواجب أن نسعى إليك ونعرِّفك بأنفسنا، وحضوري هذا اليوم بالذات الذي تقيم فيه وليمة لبعض الأصدقاء هدفه التأكيد لك على الأخوَّة، ولهذا ومن الآنَ أُؤكِّدُ لكَ أني أعتبر بيتك بيتي وضيوفك ضيوفي، والأخ يأتي إلى بيت أخيه بلا دعوة.. ولهذا جئت”. وسكت أحمد محمد باجنيد وأُسقط في يدي، وتطلعت إلى وجهه السمح المبتسم فأحسست أن ابتسامته لم تعد تضيء وجهه وحده بل تضيء قلبي وتملأ بيتي، فجذبْـتُه ناحيتي من يده واحتضنته حتى سمعتُ دقَّاتِ قلبه الطيِّب، فأحسستُ أنه كان ينبض بالحب والإخاء، وحاولت ان أتكلم وأعبِّر له عن اعتذاري، فلم يدعْ لي فرصة لذلك، وظل يؤكد على الأخوَّة ثم قال لي: “إن الأخوَّة إذا تأسست على المحبة تكون مثل السماء الخالية من السحب لا عتبَ فيها على تقصير ولا لومَ فيها على خطأ” ثم أردف مستدركًا: “ثم أنت يا أخي لا تعرفني، فلك العذر أن لا تدعوني، وأنا لـمَّا عرفتك سعيتُ إليك وهذا واجب مثلي نحو مثلك”. وصعدنا معًا السُّلَّمَ المؤدِّي إلى غرفة الضيوف بمنزلي ويدي في يده، وفي أثناء صعودنا عثر في إحدى الدرجات لانشغاله بالكلام معي فرفعته من يده، فضحـك وقال: “الحمـد لله .. انظرْ هذه فـائـدة الأخ الصـدوق، لو لم تكن مُمسِكًا بيـدي لحظـة عثرت لسقطت، وهكذا يأخذ الأخ بيد أخيه كلَّما عثر”. وتوقفتُ طويلًا أمام هذه العبارة التي صدرت منه بتلقائية وعفوية، وأنبأتْني بالكثير عن شخصيته السمحة في الدقائق الأولى من معرفتي به.

ثُمَّ جاء الضيوف فرأيت فرحتهم بوجوده، فكان عطرًا فوَّاحًا في المجلس بحسن خلقه وأدبه وتواضعه. ومن مشاركاته وتعليقاته القصيرة استطاع تغيير فكرتي عن رجال الأعمال الذين كنت أقول إن التجارة وجمع المال تشغلهم عن الثقافة، وأن التعامل مع الأرقام شغلهم عن التعامل مع الحروف، فقد رأيتُه مُلِمًّا بما يُطرق من موضوعات الأدب وقضايا الشأن الثقافي بذكاء الفطرة الذي تميز به رجال ذلك الجيل من الحضارم. وكان -رحمه الله- أوَّلَ مَنْ دخل بيتي ذلك اليوم، وكان آخرَ مَنْ خرج منه، فقد بقي إلى جواري يودِّع الناسَ معي حتى ظنَّ أكثرُهم أن معرفتي به قديمة من قوة الإخاء الذي تعامل به.
وبقي معي أكثر من ساعة بعد أن خرج الناس يُبصِّرني بأمور كثيرة لم أكن على دراية تخص المجتمع الجديد، خاصة المجتمع الثقافي الذي أعيش، والحياة التي أنا مُقبل عليها، فأحسست منه عاطفة الأخ الأكبر الحريص على أخيه الأصغر. وعند خروجه رجوته رجاءً صادقًا، قال لي: ما هو؟ قلت: ألسنا أخوة؟ قال: بل أكثر من ذلك. قلت: ألستَ أخي الأكبر ؟ قال: بلى سِنًّا فقط. قلت: سِنًّا ومَقَامًا. قال: لا. قلت له: هذا من تواضعك وكريم خصالك. قال” قل ما عندك. قلت: أرجو ألَّا تخاطبني بــ (يا دكتور). ابتسم وقال: هذا حقك وثمرة عملك وعلمك. قلت: ولكن لا يتنادى الإخوةُ بالألقاب. فلمَّا صَمَتَ ولم يردَّ استطردتُ قائلًا: أريد أن أتميز بأخوَّتك عن الناس، وأكون بالنسبة لك محمدًا فقط لأشعر بدفء الأخوَّة. فقَبِل ذلك مني، فإذا كُنَّا معًا قال لي: يا محمد، وإذا كنا مع الناس خاطبني باللقب العلمي. فلمَّا اعترضتُ قال لي ما أفحمني: دعني .. ألا تريدني أن أفخر بأخي أمام الناس ..؟! فسكتُّ.
رابطة الأدب الإسلامي العالمية في ضيافته:
في سنة 1992م كانت رابطة الأدب الإسلامي العالمية – منظمة ثقافية إسلامية غير ربحية- لا تزال تتَّخذ مقرَّها في مبنى رابطة العالم الإسلامي بمقرها في حي الروضة بالرياض، وعلى مسافة قريبة من بيت الشيخ أحمد محمد باجنيد في الحي نفسه، وكان بعض أعضاء الرابطة وخاصة رئيسها الشيخ د. عبدالقدوس أبو صالح من روَّاد ندوة الرفاعي، ومن مرتادي الندوة عندما تنعقد في بيت باجنيد. ضاق الحال برابطة الأدب الإسلامي في ضيافة رابطة العالم الإسلامي في غرفتين صغيرتين، ولم يكن في إمكان الرابطة الاستئجار لضعف مواردها المالية. فقال لي د. عبدالقدوس ليتك تتحدث مع صديقك الشيخ باجنيد وهو رجل كريم ومحبٌّ للأدب والأدباء. وكان المطلوب أن يسهم بجزء من إيجار شقة تنتقل إليها الرابطة. وبالفعل تحدثت معه، فعجب، وقال لي بأريحيَّة: “ولماذا الإيجار؟! أنا عندي عمارة فيها شقة واسعة تكون مكتبًا لائقًا بالرابطة، خذوها تبـرُّعًا منِّي في دعم الأدب الإسلامي” ثم أضاف بابتسامته المعهودة التي تضيء وجهه: “أسعدوني بجواركم ومن جاور السعداء يسعد”. فقلت له: “بل أعضاء الرابطة هم السعداء بجوارك”. وكفى الشيخ أحمد محمد باجنيد بكرمه رابطة الأدب الإسلامي العالمية مؤونة طلب تبرعات من الناس لدفع الإيجار، وقال: “خيرُ البرِّ عاجلُه”. وتم الانتقال فورًا إلى شَقَّةٍ واسعة تقترب مساحتها من مئتي مترٍ بحي الملز بالرياض، وكان ذلك في صيف سنة 1992م. وكان قد تبرع بتأثيثها حضرميون آخرون كريمون من تجار الأثاث، هما الشيخ عبدالله علي بامقدم، والشيخ حمد صالح بن يمين.
وبقيت الرابطة في جوار أحمد محمد باجنيد وضيافته الكريمة قرابة عشر سنوات سعيدًا بها، محظوظةً به، تنالها نفحات كرمه وعطائه في أنشطتها وإصداراتها التي يقوم بتوزيعها في ندوته الأسبوعية، إلى أن حصلت الرابطة على منحة كريمة من سمو الأمير سلطان بن عبدالعزيز لشراء مقرٍّ خاص بها، انتقلت في إثرِهِ إليه في 18/ 6/ 2001م. وأشهد أن الشيخ أحمد باجنيد بقدر ما كان فرحًا بحصول رابطة الأدب الإسلامي على مقرٍّ كبيرٍ خاصٍ بها بقدر ما كان حزينًا على انتقالها؛ لظنِّه بانقطاع الأجر الذي احتسبه عند الله عز وجل، فقلت له: “يا شيخنا إن هناك أجورًا يحتسبها الله لعباده بنياتهم لا تنقطع بانقطاع أسبابها”.

قصة أدب وفاء بـ “ندوة الوفاء”:
وتوثقت صلتي به منذ ذلك التاريخ، وحرصت على حضور الندوة عندما تنعقد في بيته في الأيام التي يغيبها الشيخ عبدالعزيز الرفاعي في جدة. وعندما تنعقد الندوة في بيته، كان أحمد محمد باجنيد حريصًا على ألَّا يستأثر بحديث، وأن يترك لضيوفه الفرص كلها، بل يترك إدارتها لشخص غيره، وهذا أدب عظيم منه، حتى لا يتعرَّض لموقف محرج مع أحد ضيوفه. أما عندما تنعقد الندوة في بيت الرفاعي فأجده أكثرَ حديثًا ومشاركًا، ولكنه لا يتخلَّى أبدًا عن وقاره وأدبه مع الناس، فإذا ما رأى أحدًا ينازعه الحديث تركه له وابتسم ابتسامته المميزة التي تنمُّ عن سماحة شخصه، وطيب نفسه. وأذكر مرَّةً أنَّه قد أساء إليه أحد الذين لا يفقهون بكلمة، فابتسم، وقلَّب النظر في وجوه الحضور، ثم قال للرجل: “أحسنَ اللهُ إليك”. ذهل الناس من هذا الأدب الجم، وكنت وقتَها أرقبُ ملامحَ الشيخ عبدالعزيز الرفاعي، الذي كان يراقب من بعيدٍ ما يحدث حتى رأيتُ الراحة المضيئة تكسُو وجهَه عندما سمع باجنيد يقول للرجل: “أحسن الله إليك”، وكان الرفاعي مثله مدرسة عظيمة في أدب حسن الخُلق والصبر على الناس.
وفي 30 أغسطس 1993هـ فُجعت الحياة الثقافية السعودية بوفاة الشيخ عبدالعزيز الرفاعي رحمه الله، فدعا الشيخ أحمد محمد باجنيد إلى استمرار ندوة الرفاعي في منزله وفاءً لصاحبها، مثلما كانت تنعقد في بيت باجنيد عندما يغيب الشيخ الرفاعي في جدة. ولم يسمِّها الشيخ أحمد ندوة باجنيد بل أطلق عليها اسم “ندوة الوفاء” فكبر الشيخ أحمد محمد باجنيد في أنظار رُوَّاد الندوة لهذا الوفاء العظيم ولهذه المروءة والأريحيَّة، وما كان ذلك إلا امتدادًا لكرم نفسه ولخلقه السمح الذي عُرف به عند الناس جميعًا. ومنذ ذلك التاريخ استمرَّت الندوة في بيت هذا الرجل الكريم، فأصبحت ندوة الوفاء في بيت باجنيد مقصد الأدباء والعلماء ومحبِّي المعرفة، فإنْ لم يكونوا كذلك فهم من محبِّي الشيخ أحمد محمد باجنيد. وفي ندوة الوفاء والمجالس الأخرى التي تنعقد في بيت أحمد محمد باجنيد عرفتُ أفضل الأدباء والعلماء، وتعرَّفت على شخصيات اجتماعية خيِّرة اتسعتْ بها دائرة معارفي بالناس من شتى الأطياف. ومع ذلك أعترف أني كنت في السنوات الأخيرة مقصِّرًا في حضور الندوة أسبوعيًّا، إلا إذا كان هناك موضوعٌ يدخل في دائرة اهتمامي، وكان هو يعرف ذلك فيتصل بي. ولكني كنت أزوره في غير أوقات الندوة في بيته العامر باستمرار فأجتمع عندَه بخيار الرجال.

حبُّه للعلم وقصة جامعة الأحقاف:
تحمس الشيخ أحمد محمد باجنيد لفكرة إنشاء جامعة خاصة في المكلا بحضرموت، أطلق عليها جامعة الأحقاف، وتعاون مع مؤسسها السيد عبدالله باهارون بلا حدود، وكان عضوًا في مجلس أمنائها، الذي ضمَّ بعض الكبار، أمثال د.محمد عبده يماني، وما أكثر الطلاب الذين تبنى تعليمهم على نفقته. وقد وهب من وقته وتفكيره وماله الشيء الكثير لتطوير هذه الجامعة والارتقاء بمستواها العلمي. وأشهد هنا أنه لم يكن ولاؤه يومًا للأشخاص بقدر ما كان للفكرة نفسها، وأذكر أنه دار يومًا حديث بيني وبين الشيخ م. عبدالله أحمد بقشان حول دعم جامعة الأحقاف من قِبل رجال الأعمال الحضارم الكبار، وقال لي: ادْعُ الشيخ أحمد باجنيد ونجتمعُ معًا ونناقش الفكرة. فتحدَّثتُ مع الشيخ أحمد فرحَّب بذلك. وبالفعل اجتمعنا في بيت بقشان بالرياض، وحضر الشيخ عبدالله سالم باحمدان معنا. وكان الشيخ أحمد سعيدًا بهذا اللقاء، وقال كلامًا لا أنساه، قال: “أنا أدعم الأفكار والأعمال، ولا أدعم الأشخاص إلا إذا كانوا أصحاب فكرة يريدون خدمتها، وأنتم – موجِّهًا كلامه للشيخين بقشان وباحمدان- خيرُ مَنْ يخدم الأفكار والأعمال، وأنتم خيرُ مَنْ يُقِيمُ صروحَ العلمِ ويدعمُها، وجامعة الأحقاف تناديكم”. ودارَ نقاشٌ، ووُضِعَتْ مقترحاتٌ إيجابيَّةٌ، كان من الممكن لو نُفِّذَتْ أن تنقل الجامعة نقلة كبيرة. ولكن ما فهمته منه – رحمه الله – بعد ذلك أن السيد باهارون رفض، وتوقَّفت الأمور عند هذا الحد. وأذكر أنه كان حزينًا وهو يبلِّغني ذلك، وأن الابتسامة المشرقة المعهودة التي تضيء وجهه غابت تلك اللحظة، وختم كلامه متوجِّهًا إلى ربه قائلًا: “اللهم إني قد بلَّغتُ .. اللهم فاشهدْ”.

حبُّه لحضرموت وأهلها:
أحبَّ أحمد محمد باجنيد وطنه حضرموت حُبًّا عظيمًا، تحسُّ منه أنه يختلط بكل ذرة في تكوينه، ويجري في دمه، ولا أذكر مجلسًا يكون فيه أحمد محمد باجنيد دون أن يذكر فيه حضرموت، إمَّا بالحديث عن الذكريات الجميلة فيها عن صباه وباكر شبابه، وإمَّا بالأسى على ما أصابها من تقلُّبات أهل الزمان، أو بدعوته لعمل خيري أو مشروع تعليمي، أو تقديم مساعدة لمعسر أو مريض. وما أكثر الذين وقف معهم ومدَّ لهم يد العون في مواقف أرادها أن تكون بينه وبين ربه يدَّخِرها له حين يلقاه، فلا يجوز الحديث عنها.
ولم تُنسِه بحبوحةُ العيش التي أكرمه الله بها، بل زادتْهُ تذكُّرًا للبائسين والمحتاجين والمعسرين في وطنه الأصلي حضرموت. وقد زار حضرموت مرَّاتٍ عدة، ولكني لم أره منتشيًا مثل انتشائه بزيارته الأخيرة لها سنة 2009م، فقد عاد سعيدًا يقول لي: “حَمَلَنِي الناسُ في قلوبهم لا بأيديهم. رأيت الخريبة مسقط رأسي، ووقفت على مغاني صباي، واستعدْتُ ذكرياتٍ مع رجال هم من أفاضل أهل حضرموت، أصبحوا بين يدي الله وفي رحمته التي وسعتْ كلَّ شيء”. والحقيقة أن الناس قد احتفَوا به احتفاء كبيرًا، وعبَّروا له عن حبهم وتقديرهم له لا في الخريبة وحدَها بل في كل مكان زاره أو مرَّ به في حضرموت ممَّن عرفوه وعرفوا له قدره. وتذكَّرتُ كلامه الذي قاله لي ذات مرة: “إنَّ امتلاك المال وحدَه لا يصنع لك احترام الناس، ولا بالمال الكثير تكون كبيرًا عندهم بل الأهداف والمبادئ التي توظِّف فيها هذا المال لخدمة الناس حتى لو كان قليلًا”. ولهذا كانت مبادئ أحمد محمد باجنيد وقِيَمُهُ أعظمَ من ماله، وكانت نفسه الكبيرة أغلى ما يملك. والمال يزول ويفنى ولا تبقى إلا القيم ومواقف أفذاذ الرجال، وهذا ما تركه أحمد محمد باجنيد للناس من بعده.. أعمالٌ تتحدث عنه، وذكريات غاليه تذكرنا به، ومواقف مروءة ورجولة تجعلنا نترحم عليه .. رحمه الله.
لم يُعاتِبْني أحمد مُحمَّد باجنيد يومًا على كثرةِ تَقْصيري معهُ، فإذا لاحَتْ نظرةُ عتابٍ في عينَيْهِ، طغَتْ عليها نظرةُ الـحُبِّ فمَحَتْها.. كانَ أحمد مُحمَّد باجنيد خيرَ مَن يُبادِرُ إلى السُّؤالِ، فيُحرِجُني؛ لكِبَرِ مقامِهِ في نَفْسي، لم يترُكْ لي مُناسبةً إلَّا كانَ أوَّلَ السَّاعينَ، فلمَّا عجَزَ عنِ السَّيرِ على قدمَيْهِ أصَرَّ على أن يأتيَ محمولًا إلى حيثُ يكونُ بينَ النَّاسِ الَّذينَ يُحِبُّهم.
شيخ الحضارم:
وكنتُ لا أدعُوه إلَّا بـ “شيخِ الحَضَارِمِ”، فكانَ يضحَكُ وتنفرِجُ أساريرُهُ، ويقولُ بتواضُعٍ وحُبٍّ: “أنا شيخُكَ وحدَكَ يا مُحمَّدُ؛ لأنَّكَ تُحِبُّني”، فأقولُ له: “إذا كانَتِ الـمَشْيخةُ بالـحُبِّ، فكُلُّ النَّاسِ تُجمِعُ على محبَّتِكَ”.. ! ولكنه كان حقًّا شيخًا للحضارم بما اتسع به قلبه لهم، ولهمومهم التي حملها وظل يتابعها إلى آخر لحظة في حياته.. كان شيخًا للحضارم بحبه العظيم لحضرموت ولأبنائها، ولغَيْرتِهِ عليها، وعمله من أجلها، وحُلمُهُ أن يرى أبناءها في طليعة الشباب المتعلِّم المثقَّف الذي يبني وطنه بالعلم والإيمان.

في كل حجر يُضرب في حضرموت لبقشان فيه أجر:
وكان يحب كلَّ مَنْ يخدم حضرموت وكان حبه للشيخ م. عبدالله أحمد بقشان غامرًا وتقديره له كبيرًا، وكان منبعُ هذا الحب ما رآه من الشيخ م.عبدالله أحمد بقشان من خدمات جليلة يقدِّمها لحضرموت ولأبناء حضرموت في مجال تعليم أبناء حضرموت، وابتعاثهم للدراسة بالمئات إلى مختلف دول العالم وهو أمر لم يسبقه إليه أحد. وكان الشيخ أحمد يقول: “إنَّ عبدالله بقشان يختلف عن غيره لأنه اهتمَّ ببناء الإنسان في حضرموت لا بناء الجدران”. وأشهد أنِّـي سمعتُه مرارًا يثني على ما قام به بقشان في مجالسه، وكان يكرِّر مقولة حفظتُها منه.. كان يقول في مجالسه ويكرِّر قوله: “في كُلِّ حجرٍ يُضرَبُ في حضرموت لبقشانَ فيه أجرٌ “.
وما رأيت أحمد محمد باجنيد في حياته إلا كالنحلة التي وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بها المؤمن في قوله: (والذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنِ لكَمَثَلِ النَّحْلَةِ أَكَلَتْ طَيِّبًا وَوَضَعَتْ طَيِّبًا وَوَقَعَتْ فَلَمْ تَكْسِر ولم تُفْسِد).
قالَ لي أحمد مُحمَّد باجنيد ذاتَ مرَّةٍ: يا مُحمَّدُ، فِعلُ الخيرِ مُتمِّمٌ للعبادةِ، والعبادةُ لا تكتمِلُ إلَّا به، فقُلْتُ له: كيفَ؟ فقالَ: تأمَّلْ قولَ ربِّكَ: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] [الحج: 77]، فكانَتْ هذه الآيةُ شِعارَه في الحياةِ.
كان أحمد مُحمَّد باجنيد عاشق المعروف، وكان يقول إنَّ فِعْلَ الخيرِ لا وطَنَ له ولا جنسيَّةَ ولا حدودَ، فكانَ خيرَ مَن يعمَلُ بقولِ نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (أهلُ المعروفِ في الدُّنيا أهلُ المعروفِ في الآخرةِ).
صداقة الرجال أغلى من المال:
وما أكثَرَ ما ردَّ أحمد مُحمَّد باجنيد عن أعراضِ النَّاسِ؛ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: “ما مِن مُسلِمٍ يرُدُّ عن عِرضِ أخيه إلَّا كانَ حقًّا على اللهِ أن يرُدَّ عنه نارَ جَهنَّمَ يومَ القيامةِ”.. كانَ أحمد مُحمَّد باجنيد يُردِّدُ: “لا شيءَ يستحِقُّ أن نخسَرَ النَّاسَ لأجلِه في هذه الدُّنيا الزَّائلةِ”، سمِعْتُه يُردِّدُ كثيرًا: “كَسْبُ صداقةِ الرِّجالِ أغلى مِن المالِ”..! كانَ أحمد مُحمَّد باجنيد يقولُ: “أنا حبيبُ المساكينِ؛ لأنَّ المساكينَ أحبابُ اللهِ، وإنَّ أكثرَ مَنْ يدخُلُ الجنَّةَ مِنَ المساكينِ، وأنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سأَل ربَّه أنْ يُحشَرَ معَ المساكينِ”.
لم يَعِشْ أحمد مُحمَّد باجنيد يجمَعُ المالَ ليترُكَه ميراثًا لأولادِه مِن بعدِه ويَضِيعَ هو في غياهِبِ النِّسيانِ؛ مِثْل الَّذينَ عاشُوا لأنفُسِهم فلم يترُكوا مِن بعدِهم أثَرًا ولا ذِكرًا، لو تفرَّغَ أحمد مُحمَّد باجنيد لجَمْعِ المالِ وحدَه لَجمَعَ ثروةً طائلةً..كانَ أحمد مُحمَّد باجنيد على وَعْيٍ بأنَّ الَّذينَ أحبُّوا أنفُسَهم وحدَها وأضاعوا أعمارَهم في جَمْعِ المالِ، لا هُمْ بقُوا للمالِ يحرُسونَه، ولا المالُ خلَّد ذِكْراهم في قلوبِ النَّاسِ.. لم يُضِعْ أحمد مُحمَّد باجنيد حياتَه في جَمْعِ المالِ وحدَه، بل سخَّرَ جُلَّ وقتِه في جَمْعِ القلوبِ، وسخَّرَ مالَه في رَسْمِ الابتساماتِ على شِفاهِ اليتامَى والأرامِلِ والمَساكينِ.
وما أكثر ما سمعته يردِّد في مواطن العطاء والسخاء قولَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «السخيُّ قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيدٌ من النار، والبخيلُ بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل». وما رأيت أحمد محمد باجنيد يومًا إلا وتذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تجاوزوا عن ذنب السخي فإن الله آخذ بيده كلما عثر، وفاتح له كلما افتقر).

ذاكرة قوية في ثقافة الخير:
كان له -رحمه الله- ذاكرة قوية في ثقافة الخير، فقد سمعته مرة يروي قول الإمام علي -رضي الله تعالى عنه-: “ما جمعت من المال فوق قوتك فإنما أنت فيه خازن لغيرك”. وسمعته مرة في موقف يحث جلساءَه على العطاء لمشروع تعليمي، فقال: إن النعمانَ بنَ المنذرِ قال يومًا لجلسائه: “مَنْ أفضلُ الناسِ عيشًا وأنعمُهم بالًا وأكرمُهم طباعًا، وأجلُّهم في النفوس قدرًا؟ فسكت القوم، فقام فتى فقال: أبيتَ اللَّعنَ، أفضلُ الناسِ مَنْ عاشَ النَّاسُ مِن فضله. فقال: صدقْتَ”. وعقَّب محمد أحمد باجنيد على تلك الرواية بقوله: وأفضل الفضل الإنفاق على العلم، لأن المتعلِّم من ذلك الانفاق يظل صدقة جارية للمُنفق في كل ما يفعل من خير. وكان محمد أحمد باجنيد لا يرُدُّ سائلًا قط، يعطي على قدر ما يرى في حاجة السائل ولو عطاء قليلًا، وعندما قلت له مرة إن بعض الناس لا يستحقُّون، وأن هناك من هو أولى منهم بالعطاء. فقال لي كلمة أعدُّها حكمة، قال: “يا محمد .. مال السخي لا ينفد ولو أعطى الناس جميعًا”. ثم ابتسم ابتسامته المشرقة المعهودة التي تضيء كل وجهه وقال لي حكمة عن أحد السلف -وهو أسماء بن خارجة-: “ما أُحِبُّ أنْ أَرُدَّ أحدًا عن حاجة، لأنه إن كان كريمًا أصون عرضه أو لئيمًا أصون عنه عرضي”.
آمَنَ أحمد مُحمَّد باجنيد بأنَّ العِلمَ رديفُ الإيمانِ، وأنَّ الشُّعوبَ لا تَرتقي في سُلَّمِ الحضاراتِ إلَّا بالعِلمِ .. سخَّر أحمد مُحمَّد باجنيد مالَهُ في زراعةِ الأملِ بالعلم، وإضاءةِ طريقِ الـمُستقبَلِ للَّذينَ لم يجِدوا في وطنِهم حكومةً تحنو عليهم، وتَبْني لهم صروحَ العِلمِ التي تتَّسِعُ لهم. كانَ أحمد مُحمَّد باجنيد مِن أبَرِّ النَّاسِ بأبناءِ وطنِه الأصلِيِّ، لا لأنَّهم أبناءُ وطنِه فحَسْبُ؛ بَلْ لأنَّهم كانوا مِن أحوَجِ الناسِ إلى يدِ العَوْنِ، وكان هذا الـمُعتقَدَ الرَّاسخَ في حياته. وكان أكثر ما يكره الكذب، فكان يقول: “إنَّ الكذَّاب جبانٌ ناقصُ المروءة، والكذب يؤهِّل الانسان للخيانة ويفتح له أبوابها”. وكان يستشهد بقول رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ). ولا أذكر أني سمعته يسيء بكلمة لكذَّاب اكتشف أمره، بل يقول: ” فلان فيه خصلة أكرهها.. هداه الله”. وبهذا فهو لا يكره الناس وإنما يكره خصالهم ويدعو لهم ويتمنى لهم الخير .. هذا هو أحمد محمد باجنيد -رحمه الله- الذي كان شعاره في الحياة قول ربه: [إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ].
الفارس لا يترجَّل والفرح لا يبكي:
الفارس لا يترجَّل …! والشمس لا تغيب إلا لتظهر في المساء محتضنة القمر بحنان ليشع بنورها…! والحب لا يموت.. ولو مات الحب لما بقي في الحياة ما يستحق أن نعيش به. والفرح لا يبكي .. وكيف يبكي مَنْ إذا دخل إلى قلوب الناس أسعدها وأنعشها وجدد فيها الحياة .. ! والزهر لا يذبل في الحدائق التي تُروى من نهر الحب الذي يفيض من قلب كبير …!
من قال إن أحمد محمد باجنيد فارس المروءة قد ترجل…؟! من قال إن أحمد محمد باجنيد رمز الحب قد مات ..؟!.. من قال إن أحمد محمد باجنيد الذي أفنى عمره يُشعل شموع الفرح لتضيء الزوايا المظلمة في قلوب الناس قد انطفأت شموعه..؟!
من قال إن أحمد محمد باجنيد رجل الوفاء قد مات إلا إذا كان الوفاء يموت.. والوفاء ليس إلا ملمحًا من ملامح شخصيته، وسجيَّةً من سجايا قلبه العامر بالحب.. فمن لم يكن ذا مروءة لم يكن وفيًّا، ومن لم يحب الناس لم يكن متسامحًا بارًّا صبورًا ودودًا وفيًّا..! كان أحمد محمد باجنيد فرحًا.. وكان حبًّا.. وكان خيِّرًا.. وكان سماءً مُمطرة في حياة كل الذين عرفوه.. والحقيقة أن الحب ليس الوفاء وحده وإنما الوفاء ملمحٌ من ملاح الحب عنده.. فكان أحمد محمد باجنيد أكثر من الوفاء.. وكان كل الحب..!
سر الابتسامة التي تضيء وجهه كله:
كان أجمل ما في ملامح أحمد محمد باجنيد ابتسامته.. ابتسامة ساحرة مُحيِّرة ..! كان أحمد محمد باجنيد عندما يفرح يبتسم، وعندما يغضب يبتسم..! كان أحمد محمد باجنيد أيضًا عندما لا يعجبه شيء أو لا يرضى عنه يبتسم..!
لم أره يومًا يواجه إنسانًا بما يكره، فإذا سمع كلامًا لا يوافق صاحبه عليه يخفض رأسه حياءً، ثم ينظر إلى صاحبه نظرةَ شفقةٍ أو حنانٍ أو حبٍّ أو كل ذلك جميعًا ثم… يبتسم..! من يذكر أن أحمد محمد باجنيد أساء اليه بكلمة نابية أو أشار إليه بإيماءة ساخطة أو نظر إليه بنظرة قاسية..؟!
رحل أحمد محمد باجنيد عن الدنيا وليس فيها مخلوق يكرهه ولا إنسان مجروح منه . لم يترك أحمد محمد باجنيد مجالًا لأحد يكرهه من الذين اختلفوا معه في الرأي أو حسدوه على ما أنعم الله به عليه من حب الناس وتقديرهم أو غاروا من نجاح أعماله، ولكن هؤلاء جميعًا لم يجدوا لديه من بضاعة إلا الحب فنهلوا من نبع حبه فأحبوه ..!
إذًا.. من قال إن أحمد محمد باجنيد نهر الحب والمروءة والوفاء قد غاض ماؤه …؟! ومن قال إن أحمد محمد باجنيد قد رحل، وهو باق في أبنائه الذين يسيرون على خُطاه في دروب البر والإحسان وفعل الخير وحب الناس وحُسن الخُلق…
كان أحمد محمد باجنيد شديد الحياء، وكان حياؤه أدبًا عظيمًا مع الله عز وجل، ألقى بظلاله على الناس، وقد سمعتُه مرة يقف عند حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- في قولها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان خُلقُه القرآنَ)، فكان يقول: “هذا للتدليل على أن القرآن منهج حياة وأسلوب سلوك وأدب معاملات، ومن لم يستح من الله ومن الناس لم يؤدِّبْه القرآن ولو كان حافظًا له”. وكان – رحمه الله – يقول: “من لم يستحِ من الله لم يستحِ من الناس، وأن أكثر الناس جهلًا وظلمًا هم الذين لا يستحيون من الله فيأتون المنكرات والكبائر، فكيف نتوقع منهم حياءً من الناس، ولهذا جعل الله (الْحَيَاء شُعْبَة مِنَ الإِيمَانِ)”. وقد وجدت كلامه هذا يتَّفق مع المعنى العميق الجليل الذي ورد في الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “اسْتَحْيُوا من الله حقَّ الحياء”، فقلنا: يا رسول الله إنا نستحيي والحمد لله، قال: “ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة، ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك، فقد استحيا من الله حق الحياء”

عندما عجزت شجرة الحب عن المشي على قدمين:
معلم الناس الخير ليس ذلك الذي يخطب في المجالس.. معلم الناس الخير ليس ذلك الذي يعلِّم العلم في المدارس، وإنما معلم الناس الخير الأفضل هو ذلك الذي يبدأ الخطوة ويرسم القدوة ويُحوِّل الكلمة الطيبة إلى فعل، ويترجم الدعوة إلى الخير إلى عمل. لم يحظَ أحمد محمد باجنيد بالدخول إلى المدارس، ولكنه ارتقى إلى أعلى المراتب في قلوب الناس… لم يحظَ أحمد محمد باجنيد بالجلوس على مقاعد قاعات المحاضرات في الجامعات لكن استطاع أن يحوِّل بيته إلى قاعة محاضرات يرتادها العلماء ورُوَّاد الفكر وطلاب العلم والثقافة.. رصف أحمد محمد باجنيد الطريق للذاهبين للمدارس، وأخذ بأيدي الراغبين في الدراسة بالجامعات، وظل يرعى خطاهم حتى رأى ثمار الخير قد أينعت فيهم. لم أجد وصفًا ينطبق على مُعلِّم الناس الخير أحمد محمد باجنيد أعظمَ من قولِ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الـحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الـخَيْرَ».
كان أحمد محمد باجنيد شجرة حب تمشي على قدمين، من كان يتصور أن الحب يمكن أن يمشي على قدمَيْنِ في شخص رجل فكان هو. وعندما عجز الحب أن يمشي على قدمين رأيناه يجلس على كرسي متحرك يمشي على عجلتين، ويسعى كعادته إلى الناس في مناسباتهم ليدخل السرور الى قلوبهم ..! وأدركنا بعد ذلك أن الحب لا يمشي على قدمين بل يطير إلى كل الناس.
من قال إن أحمد محمد باجنيد قد مات، وفي الدنيا محبوه يحفظون له الوفاء وطيب الذكر ويستغفرون له .. من قال إن أحمد محمد باجنيد قد مات، وفي الدنيا أعماله تتحدث عنه وتشهد له عند ربه…؟! من قال إن أحمد محمد باجنيد الذي أمضى حياته يُدخل السرور إلى قلوب الناس، ويضيء فيها شموع الفرح قد مات…؟! لا يموت مثله إلا إذا كانت المكارم تموت…!
كانَ أحمد مُحمَّد باجنيد سماءً رَحْبةً، اتَّسعَتْ لكلِّ النَّاسِ محبَّةً ومودَّةً، وكانَ نَمُوذَجًا رائعًا للمُرُوءةِ الحَقَّةِ، والأُخوَّةِ الصَّادقةِ، والأُبوَّةِ الحانيَةِ.. رحِمَ اللهُ الشَّيخَ أحمد مُحمَّد باجنيد، وحشَرَه يومَ القيامةِ معَ مَن بعَثَه ربُّهُ رحمةً للعالَمِينَ.